يسري الشرقاوي: استقرار القرار الإداري مفتاح جذب الاستثمار وحكم المشروعية يجب أن يتحول إلى مصدر ثقة
أكد الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، أن جذب الاستثمارات الأجنبية لا يرتبط فقط بتقديم الحوافز الاستثمارية أو إقرار التشريعات المنظمة لنشاط المستثمر، وإنما يرتبط بصورة أساسية بمدى استقرار البيئة القانونية والإدارية وقدرتها على توفير درجة كافية من اليقين للمستثمر منذ لحظة اتخاذ قرار الاستثمار وحتى بدء التشغيل وتحقيق العائد.
وقال الشرقاوي إن البحث عن آليات جديدة لتعزيز جذب الاستثمارات الأجنبية في ظل التحديات الراهنة يستلزم النظر بصورة أكثر عمقا إلى بعض العوامل الداخلية التي قد تبدو في ظاهرها بعيدة عن القرار الاستثماري، بينما يكون تأثيرها المباشر كبيرا على حسابات المستثمر وتقييمه لمستوى المخاطر، وفي مقدمتها تعدد التشريعات وتداخل الاختصاصات وتغير بعض القواعد المنظمة بعد دخول المستثمر في التزاماته.
وأوضح أن مصر تمتلك في النصوص القانونية العديد من الضمانات التي تستهدف حماية المستثمر وتوفير بيئة جاذبة، من بينها مبدأ المعاملة المتساوية، وضمانات الملكية، وحظر التأميم، وتنظيم نزع الملكية، إلى جانب حرية تحويل الأرباح وفقا للقواعد المنظمة، إلا أن التحدي الحقيقي، بحسب رؤيته، يكمن في المسافة بين النص القانوني وتطبيقه العملي، وما قد يواجهه المستثمر من تغيرات أو منازعات تتعلق بالترخيص أو تخصيص الأراضي أو طبيعة النشاط.
وأضاف أن المستثمر عندما يضع أمواله في مشروع طويل الأجل لا ينظر فقط إلى تكلفة الأرض أو حجم الحوافز، وإنما يبحث قبل ذلك عن مدى استقرار القرار الإداري، وإمكانية الاعتماد عليه على مدار سنوات المشروع، وقدرته على توقع القواعد التي ستحكم نشاطه، مشيرا إلى أن أي حالة من عدم اليقين بشأن التخصيص أو الترخيص أو استمرار النشاط يمكن أن تدخل ضمن حسابات المخاطر التي تؤثر في قرار ضخ رأس المال.
وأشار رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنوات الماضية تعكس تفاوتا ملحوظا، موضحا أن حجم التدفقات لا يزال بحاجة إلى أن يتناسب بصورة أكبر مع حجم السوق المصري والإمكانات المتاحة به، لافتا إلى أن القفزات الاستثنائية في بعض السنوات ارتبطت بصفقات كبيرة، وهو ما يستدعي العمل على زيادة الاستثمارات المستدامة والمتنوعة التي تقوم على مشروعات إنتاجية طويلة الأجل.
وأكد أن المطلوب ليس فقط جذب صفقة استثمارية كبيرة أو تدفق مالي استثنائي، وإنما بناء منظومة قادرة على استقطاب استثمارات متكررة في الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والبنية التحتية وغيرها من القطاعات، بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ويعزز قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة بصورة مستمرة.
وفيما يتعلق بدور مجلس الدولة، شدد الشرقاوي على أن المجلس يؤدي دوره في حماية المشروعية ومراجعة القرارات الإدارية وفقا للقانون، وأن وجود قضاء إداري قوي يمثل في الأصل أحد عناصر حماية الحقوق وضمان خضوع الإدارة للقانون، إلا أن كثافة المنازعات وما قد يترتب على بعضها من آثار على قرارات سبق اتخاذها قد تكون محل اهتمام المستثمر عند تقييم البيئة الاستثمارية.
وأوضح أن القضية لا تتمثل في تحميل مجلس الدولة مسؤولية تراجع الاستثمار، وإنما في ضرورة النظر إلى المنظومة بأكملها، بدءا من صياغة القواعد واللوائح، مرورا بآليات إصدار القرار الإداري، ووصولا إلى مدى استقراره وإمكانية الدفاع عنه قانونيا، بما يقلل فرص نشوء المنازعات من الأساس.
وأشار إلى أن سرعة الفصل في المنازعات تمثل تطورا مهما، إلا أن الهدف الأهم يجب أن يكون تقليل أسباب النزاع قبل وصولها إلى ساحات القضاء، من خلال وضوح القواعد وتوحيد الإجراءات وتحديد الاختصاصات وإحكام صياغة القرارات الإدارية، بما يحقق حماية المال العام والحقوق الخاصة في الوقت نفسه.
وأضاف أن الخطر بالنسبة للمستثمر لا يرتبط بعدد الدعاوى وحده، وإنما بما قد يترتب على الحكم في بعض المنازعات من تغيير في الوضع القانوني للمشروع بعد أن يكون المستثمر قد ضخ بالفعل أمواله وبدأ في تنفيذ التزاماته، موضحا أن أي قرار يتعلق بتخصيص الأرض أو تغيير النشاط أو شروط الانتفاع يمكن أن يدخل ضمن الحسابات الاستثمارية إذا لم تكن قواعده واضحة ومستقرة منذ البداية.
وأكد الشرقاوي أن المبادئ القضائية التي تحمي المال العام وتمنع إساءة استخدام الأراضي أو تغيير النشاط بالمخالفة لشروط التخصيص تمثل حماية للمصلحة العامة، لكن التحدي يكمن في ضرورة أن تكون الشروط والالتزامات واضحة للمستثمر منذ البداية، وأن تكون هناك آليات واضحة للتعامل مع أي تغيير في ظروف المشروع، حتى لا يتحول النزاع القانوني إلى عنصر مفاجئ في الحسابات الاستثمارية.
ولفت إلى أن تعدد التشريعات واللوائح المنظمة للنشاط الاقتصادي قد يؤدي في بعض الحالات إلى حالة من الحذر داخل الجهاز التنفيذي، إذ قد يتخوف الموظف من اتخاذ قرار يمكن الطعن عليه أو إبطاله لاحقا، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة دورة اتخاذ القرار، رغم أن الهدف الأساسي من الإجراءات هو حماية الدولة والمستثمر في الوقت نفسه.
وأوضح أن بناء الثقة بين الدولة والمستثمر يتطلب الوصول إلى معادلة متوازنة، تحافظ على حق الدولة في الرقابة وحماية المال العام، وفي الوقت نفسه تمنح المستثمر القدرة على التخطيط واتخاذ قراراته بناء على قواعد واضحة ومستقرة، مؤكدا أن دولة القانون لا تتعارض مع الاستثمار، وإنما تمثل أحد أهم شروط نجاحه عندما تكون قواعدها واضحة وقابلة للتوقع.
وشدد مستشار الاستثمار الدولي على أن تطوير مناخ الاستثمار لا يعني تقليص دور القضاء أو الحد من الرقابة على القرارات الإدارية، وإنما يعني تحسين جودة القرار من المنبع، وتوفير ضمانات إجرائية تمنع تضارب القرارات وتقلل فرص نشوء النزاعات، مع التوسع في آليات التسوية الودية قبل اللجوء إلى التقاضي عندما يكون ذلك ممكنا.
وأكد أن الاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى رؤية مستقرة تمتد لسنوات، لأن المستثمر لا يضع أمواله بناء على الوضع القائم في يوم توقيع العقد فقط، وإنما يدرس مستقبل المشروع وقدرته على العمل في ظل القواعد المنظمة له، ولذلك فإن استقرار التشريعات واللوائح والقرارات الإدارية يمثل جزءا أساسيا من معادلة اتخاذ القرار الاستثماري.
وأشار الشرقاوي إلى أن مصر تمتلك مقومات كبيرة لجذب الاستثمارات، من حيث حجم السوق والموقع الجغرافي وتنوع القطاعات والارتباط بالأسواق الإقليمية والإفريقية، إلى جانب الفرص المتاحة أمام القطاع الخاص، إلا أن تعظيم الاستفادة من هذه المقومات يتطلب استمرار العمل على تقليل المخاطر الإجرائية والقانونية التي يمكن أن تواجه المستثمر.
وأضاف أن القطاع الخاص المصري والأجنبي يحتاج إلى رسالة واضحة مفادها أن القواعد التي يدخل على أساسها المشروع ستكون مستقرة وقابلة للتوقع، وأن أي تعديلات مستقبلية ستكون واضحة في نطاقها وآليات تطبيقها، مع توفير مسارات فعالة لتسوية الخلافات، بما يحافظ على حقوق الدولة والمستثمر معا.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب توحيد أكبر قدر ممكن من اللوائح المنظمة للاستثمار مع التشريعات الأساسية، وتقليل التداخل بين الجهات، وتوضيح المسؤوليات، وتقييد الآثار المفاجئة للتغييرات التنظيمية على المشروعات القائمة، إلى جانب التوسع في التسويات قبل التقاضي، بما يساعد على خفض تكلفة النزاعات وتحسين سرعة إنجاز المشروعات.
وأكد الشرقاوي أن الهدف النهائي يجب أن يكون الانتقال من التعامل مع المنازعات بعد وقوعها إلى منع أسبابها قبل أن تبدأ، لأن كل قرار إداري واضح ومستقر يمثل رسالة ثقة للمستثمر، وكل إجراء غير واضح أو متعارض قد يتحول إلى عنصر مخاطرة في دراسة الجدوى، مشيرا إلى أن جذب الاستثمار لا يتوقف عند إصدار قانون جيد، وإنما يبدأ من قدرة مؤسسات الدولة على تطبيقه بصورة مستقرة ومتسقة.
وقال إن الاستثمار المستدام، وليس الصفقة الواحدة، يحتاج إلى بيئة قانونية وإدارية تمنح المستثمر اليقين قبل أن تمنحه الحوافز، وتحوّل حكم المشروعية من مصدر للتردد إلى مصدر للثقة، بما يعزز قدرة مصر على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل وتحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات حقيقية ومستدامة.
واختتم الدكتور يسري الشرقاوي بالتأكيد على أن حماية دولة القانون وحماية الاستثمار هدفان متكاملان، وأن القضاء الإداري يظل ركنا أساسيا في حماية المشروعية، بينما تقع مسؤولية تقليل المنازعات على مختلف أطراف المنظومة من خلال تحسين التشريع والقرار الإداري والإجراءات التنفيذية.