لماذا نطوف عكس عقارب الساعة؟.. داعية يوضح
أكد الدكتور الداعية عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بـمجلس النواب المصري، أن الطواف حول الكعبة المشرفة عكس عقارب الساعة يحمل دلالات روحية عميقة مرتبطة بفكرة الميلاد الجديد للإنسان، موضحًا أن هذا التوجه في الطواف ليس عودة زمنية إلى الوراء، وإنما رمز لمعنى التجدد الروحي.
وأوضح الورداني، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس اليوم الأربعاء، أن الإنسان أثناء الطواف لا يعود إلى رحم أمه، بل يعيش حالة رمزية من الولادة الجديدة، حيث يمحو الله سبحانه وتعالى الذنوب والأوجاع والآلام، ليعود الإنسان كما ولدته أمه، مشيرًا إلى أن كل شوط من الطواف يمثل مرحلة تطهير وتجدد في العلاقة مع الله.
وأضاف أن الطواف بهذه الصورة يعكس فكرة أن الزمن لا يرجع إلى الوراء، ولكن الإنسان يتجدد روحيًا مع كل حركة حول بيت الله الحرام، فيتحرر من أعباء الماضي ويبدأ صفحة جديدة أكثر صفاءً وقربًا من الله.
وأشار إلى أن الانتقال من الطواف إلى السعي يمثل انتقالًا من الميلاد الروحي إلى حركة الحياة، موضحًا أن السعي يرمز إلى ضرورة استمرار الإنسان في العمل بعد التجدد الروحي، وعدم التوقف عند لحظة الصفاء.
ولفت إلى أن البداية في السعي من الصفا تحمل دلالة على صفاء القلب ونقائه، مؤكدًا أن العبد لا يشترط أن يكون كامل الصفاء عند البداية، لكنه يسعى إلى التزكية والتطهر، داعيًا إلى استحضار هذه المعاني في كل عبادة، باعتبار أن جوهرها هو تطهير القلب والارتقاء بالإنسان نحو القرب من الله سبحانه وتعالى.
الصفا والمروة رحلة من صفاء القلب إلى مقام المروءة والسمو الأخلاقي
وأكد أن الانتقال بين الصفا والمروة في السعي يعكس معاني روحية وأخلاقية عميقة تتجاوز الأداء الظاهري للشعيرة، موضحًا أن هذا الانتقال يحمل دلالة تربوية تبدأ من صفاء القلب وتنتهي إلى مقام المروءة.
وأوضح أن معنى المروة مرتبط بالمروءة، التي تعكس الرجولة بمعناها القيمي الواسع، بما تحمله من شهامة وأمانة ورجاحة عقل، مشيرًا إلى أن هذا المعنى مستمد من القيم القرآنية التي تشير إلى "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، وهو ما يعكس الصدق في الالتزام والعهد مع الله.
وأضاف أن السعي بين الصفا والمروة يبدأ من الصفا باعتباره رمزًا لصفاء القلب والرغبة في الطهارة الروحية، ثم يتدرج الإنسان في هذه الرحلة الإيمانية حتى يصل إلى المروة، التي تمثل مقام المروءة والسمو الأخلاقي وتحمل المسؤولية.
وأشار إلى أن هذا الفهم يجعل من الشعيرة رحلة تربوية متكاملة، لا تقتصر على الحركة الجسدية، بل تمتد إلى بناء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا، بحيث يتعلم أن الفضل كله لله وأن كل النعم منه سبحانه وتعالى.
ولفت إلى أن المسلم في نهاية هذه الرحلة يدرك أن كل ما وصل إليه من صفاء ومقام هو فضل من الله ورحمته، فينسب العطاء لصاحبه الحقيقي، ويعيش حالة من الامتنان والصدق في العهد مع الله، بما يحقق المعنى العميق للعبادة كمنهج حياة متكامل.
الأشواط السبعة في الطواف والسعي رحلة داخل النفس من الأمارة إلى الكمال
وأكد أن دلالة الرقم سبعة في الطواف والسعي ليست مجرد عدد تكراري، وإنما تحمل إشارات رمزية وروحية ترتبط برحلة الإنسان داخل نفسه ومراحل تزكيتها، موضحًا أن كل شوط يمثل انتقالًا في مراتب النفس الإنسانية.
وأوضح أن الإنسان أثناء الأشواط السبعة في الطواف والسعي يمر برحلة داخلية تبدأ من النفس الأمارة بالسوء، ثم النفس اللوامة، فالنفس الملهمة، ثم المطمئنة، وصولًا إلى النفس الراضية المرضية، مشيرًا إلى أن هذه الرحلة تمثل تطورًا روحيًا متدرجًا في وعي الإنسان وسلوكه.
وأضاف أن كل مرحلة من هذه المراحل تعكس حالة مختلفة من التفاعل بين الإنسان ونفسه، حيث تتغير درجة الاستجابة الداخلية من الصراع إلى اللوم ثم الإلهام فالطمأنينة، حتى يصل الإنسان إلى حالة من الرضا والسكينة في علاقته مع الله سبحانه وتعالى.
وأشار إلى أن السعي بين الصفا والمروة يحمل بدوره دلالة رمزية عميقة، موضحًا أنه يمثل حركة الإنسان بين تحديات النفس والشيطان، مستشهدًا بمعاني قرآنية تؤكد ضعف كيد الشيطان، وأن قوته لا تكون إلا في غفلة الإنسان عن حقيقته وضعفه.
ولفت إلى أن قصة السيدة هاجر رضي الله عنها تمثل نموذجًا رمزيًا في هذا السياق، حيث تعكس معنى الهجرة من النفس إلى الله، والثقة المطلقة في تدبيره، مؤكدًا أن السعي هو انتقال من الخوف إلى الرجاء، ومن الاعتماد على الأسباب إلى اليقين برب الأسباب، بما يجعل العبادة رحلة إيمانية متكاملة في بناء الإنسان من الداخل.
اقرأ المزيد..