في حوادث زمان
العقيد إسماعيل شيرين.. "صهر الملك" الذي أنقذ "طابا" بالوثائق التاريخية
في كواليس التاريخ المصري، يبرز اسم العقيد "إسماعيل شيرين" (زوج الأميرة فوزية وآخر وزير حربية ملكي) ليس فقط كشخصية أرستقراطية، بل كـ "مهندس" لاتفاقيات الهدنة عام 1949.
كشفت ملابسات مسيرته عن دور "محوري" في تثبيت حق مصر في "طابا" أمام التحكيم الدولي بفضل الخرائط التي وقعها بيده، لتسجل دفاتر حوادث زمان قصة الرجل الذي انتصرت "أوراقه" في المعركة الدبلوماسية الكبرى بأرشيف الوطن، وينتمي إسماعيل شيرين إلى أسرة محمد علي، فهو أحد أقارب الملك فؤاد الأول، وقد ولد في الإسكندرية عام 1920.
بدأت المأساة السياسية لإسماعيل شيرين مع لحظة قيام انقلاب يوليو 1952 - حركة الضباط الاحرار -، حيث كان قد عين وزيرا للحربية والبحرية قبل الإنقلاب ب 24 ساعة فقط ضمن حوادث زمان.
واتبع شيرين أسلوب "الضابط الدبلوماسي" بدم بارد؛ حيث كان رئيسا لوفد مصر في مفاوضات "رودس" عام 1949، واعتمد في مفاوضاته على دقة متناهية في رسم “خطوط الهدنة”.
وأنهى بذكائه محاولات الجانب الصهيوني لاختراق الحدود المصرية المبكرة، وبحثت لجنة التحكيم الدولي في "طابا" (خلال الثمانينيات) عن "التوقيع الأصلي" للعقيد شيرين على الخرائط المساحية القديمة.
وجاء النزاع حول طابا في إطار خلاف أشمل أثارته إسرائيل بشأن عدد من العلامات الحدودية التي بلغت نحو 14 نقطة، كانت أبرزها العلامة رقم 91 التي تحولت إلى محور الصراع القانوني.
وسجلت المحاضر التاريخية أن شهادته والخرائط التي احتفظ بها كانت "الطلقة القاتلة" التي أثبتت مصرية طابا، لتنفجر قضية حوادث زمان المريرة التي أنصفت الرجل بعد عقود من التهميش في أرشيف الحقوق.
تطورت الأحداث دراميا حينما وجد شيرين نفسه "خارج الكادر" بعد الإنقلاب بسبب مصاهرته للملك فاروق بحوادث زمان، ورصدت التحريات التاريخية أنه رفض مغادرة مصر في البداية وظل متمسكا بهويته العسكرية.
وشكلت شهادته أمام اللجنة الدولية عام 1986 نقطة تحول زلزالية، وتعرض شيرين لوعكة مفاجئة إثر حادث سير تزامن مع موعد شهادته، ما استدعى انتقال هيئة التحكيم إليه داخل المستشفى لتسجيل أقواله.
حين استدعته الدولة في الثمانينيات للإدلاء بشهادته، لم يتردد للحظة قائلا "أنا لا أشهد لنظام، أنا أشهد لمصر والأرض التي رسمت حدودها بيدي.
بعد فترة من العزلة وتنقلاته خارج مصر وتشير مصادر تاريخية إلى أن إسماعيل شيرين كان يقيم في مدينة جنيف بسويسرا عقب مغادرته مصر بصحبة الملك فاروق، قبل أن تعيده تطورات قضية طابا إلى المشهد الوطني من جديد.
حيث استدعت الدولة المصرية "الوزير الملكي" من عزلته في الإسكندرية ليدلي بشهادته التاريخية، واستخدمت مصر خرائطه التي أثبتت أن "العلامة 91" تقع ضمن السيادة المصرية، وقد حاولت إسرائيل "تحريك" العلامة وتغيير معالم الأرض.
لكن دقة خرائط شيرين التي احتفظ بها في "خزانته الخاصة" هي التي فضحت التزوير، وسجلت المعاينات القانونية أن دقة شيرين في الأربعينيات هي التي حسمت الأرض في الثمانينيات.
وبقت واقعة "شيرين وطابا" هي النموذج الأبرز لكيف يحمي "الولاء للوطن" الأرض حتى لو تغيرت الأنظمة ضمن حوادث زمان الغامضة.
وفي نهاية النزاع، صدر حكم هيئة التحكيم الدولية لصالح مصر في أواخر سبتمبر 1988، أعقبه رفع العلم المصري على طابا في مارس 1989، إيذانا باستعادة السيادة الكاملة.

اعترافات "الوزير الصامت" وسر "خريطة رودس"
كشفت كواليس مفاوضات "طابا" عن دور بطولي لإسماعيل شيرين في حوادث زمان، حيث اعترف الفقيه القانوني "يونان لبيب رزق" أن شيرين كان يملك ذاكرة حديدية للأرض، ولم يكن أعضاء الوفد المصري على دراية مسبقة بما يمتلكه شيرين من وثائق نادرة، وهو ما أثار دهشتهم حين عرضها عليهم لأول مرة.
وروى المقربون منه بدم بارد كيف كان يحتفظ بنسخ من المكاتبات الرسمية التي أنقذت الموقف المصري أمام القضاة الدوليين، ومن بين الأدلة التي قدمها، مراسلات شخصية كان قد أرسلها إلى زوجته الأميرة فوزية أثناء وجوده في طابا، حملت طوابع وأختاما رسمية عززت الموقف المصري.
ورغم هذا الدور الحاسم، لم يحظ شيرين بتكريم رسمي يتناسب مع إسهامه في واحدة من أهم القضايا السيادية في تاريخ مصر الحديث، واستخرج رجال القانون المصريون من جعبة شيرين "صك الملكية" الذي عجزت إسرائيل عن تزويره في حوادث زمان الغادرة.
وسجلت النيابة التاريخية أن شيرين توفي عام 1994 في صمت، تاركا خلفه حدودا مرسومة بالحق والكرامة، لتكتمل فصول قصة الرجل الذي لم ينصفه "الإعلام" وأنصفته "الخرائط" في أرشيف الأبطال.
رحل إسماعيل شيرين في صمت وهدوء بمدينة الإسكندرية عام 1994، لكن كل سائح يرفع علم مصر اليوم فوق طابا، يدين بالفضل لهذا "الوزير الملكي" الذي لم تمنعه الخصومة السياسية من حماية تراب الوطن بأوراقه المحفوظة، وبقي شيرين نموذجا للجندي الذي أدى واجبه في صمت، دون انتظار تقدير أو سعي وراء الأضواء.