نار فوق طهران.. هل تنهي الضربات الأمريكية المشتركة أسطورة الصمود الإيراني للأبد؟
زلزل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك والمفاجئ أركان النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الساعات الأخيرة، حيث تحولت سماء العاصمة ومنشآت حيوية إلى كتل من اللهب عقب ضربات صاروخية وجوية غير مسبوقة استهدفت قلب القدرات العسكرية والنووية.
وغيرت هذه العملية العسكرية المباغتة كافة الحسابات الاستراتيجية بداخل منطقة الشرق الأوسط، ووضعت القادة في القارة الأوروبية أمام واقع جديد يفرض عليهم التخلي عن سياسات الاحتواء الدبلوماسي التي استمرت لعقود طويلة دون جدوى حقيقية.
وهرعت العواصم الغربية لتقييم حجم الدمار الذي طال البنية التحتية للنظام، وسط ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحولات جيوسياسية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة بالكامل وتنهي حقبة التهديدات الإيرانية المستمرة للممرات الملاحية وأمن الطاقة العالمي.
زلزال في بروكسل وانقسام أوروبي
اجتمع القادة الأوروبيون في قمة طارئة بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل لبحث تداعيات القصف الجوي المركز على أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وانقسمت الآراء داخل أروقة القمة بين دول شرق أوروبا التي باركت الضربات واعتبرتها ردعا ضروريا يتماشى مع التزامات حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
وبين قادة غرب القارة الذين حذروا من اشتعال أسواق الطاقة واندلاع فوضى إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وكشفت المداولات السرية عن ثغرات عميقة في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه طهران.
حيث يرى البعض أن اللحظة الراهنة هي الفرصة الأخيرة لدعم التغيير الجذري، بينما يخشى آخرون من عواقب الانهيار المفاجئ للنظام وما قد يتبعه من تدفق لموجات اللجوء وتهديد المصالح الاقتصادية المرتبطة بأسواق النفط والغاز العالمية.
تقارير استخباراتية ترصد انهيار الداخل
رصدت تقارير استخباراتية متداولة في العواصم الغربية حالة من التفكك الشديد تضرب أركان النظام بداخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية نتيجة تزامن القصف الخارجي مع اضطرابات شعبية واسعة.
وذكرت المعلومات أن الاحتجاجات التي اندلعت في يناير 2026 حطمت ما تبقى من شرعية داخلية للنظام بعد سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى برصاص قوات القمع.
وأوضحت التقييمات الأمنية أن الصراعات بين فصائل الحرس الثوري بدأت تطفو على السطح وسط مخاوف من انقلاب عسكري داخلي أو انهيار اقتصادي شامل.
وتراقب شبكات المعارضة في الخارج هذه اللحظة الحاسمة باعتبارها بداية النهاية لنظام طالما استخدم مواطني القارة الأوروبية كرهائن وأوراق ضغط في مفاوضاته السياسية المشبوهة طوال الخمسة عقود الماضية.
تهديدات المسيرات والنووي العابر للحدود
أكدت التحليلات السياسية أن تزويد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لروسيا بطائرات مسيرة وصواريخ لاستخدامها في أوكرانيا منذ فبراير 2022 كان المسمار الأخير في نعش العلاقة مع أوروبا.
حيث تحول الدور الإيراني من مجرد دعم للفصائل في لبنان واليمن إلى مساهمة عسكرية مباشرة في نزاع يهدد أمن القارة الأوروبية بشكل وجودي.
واستهدفت هذه الأسلحة الإيرانية البنية التحتية في المدن الأوكرانية مما تسبب في أزمة طاقة خانقة بداخل العواصم الغربية، وتزامن ذلك مع وصول البرنامج النووي لمراحل حرجة تجعل الدبلوماسية وحدها خيارا عاجزا عن كبح طموحات طهران.
مما دفع شخصيات نافذة في التيار الرئيسي الأوروبي للمطالبة بضرورة دعم نظام ديمقراطي جديد في إيران ينهي العداء البنيوي المتجذر تجاه القيم الديمقراطية.
سيناريوهات ما بعد رحيل المرشد
حذر الخبير الألماني هانز جاكوب شيندلر من أن غياب المرشد الأعلى علي خامنئي عن المشهد سواء بالموت أو المغادرة قد لا يعني سقوط النظام فورا.
وأوضح هانز جاكوب شيندلر أن الحرس الثوري يمتلك قدرات استخباراتية واقتصادية ضخمة تمكنه من البقاء في السلطة حتى في ظل غياب الرأس المدبر.
ويرى المؤيدون للتدخل أن الفراغ السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يختلف عن تجارب دول الجوار لأن الرغبة في التغيير نابعة من الداخل الإيراني وليست مفروضة من الخارج.
ويتصاعد الإجماع الآن حول ضرورة اعتراف أوروبا بكيان معارض موحد يمثل الشعب الإيراني ويدفع باتجاه انتخابات ديمقراطية تنهي عقودا من القمع والمواجهة، لضمان تحول طهران من مصدر لعدم الاستقرار إلى شريك استراتيجي في مجالات الطاقة والسياسة.
انتهت مرحلة إدارة الخلاف وبدأت مرحلة إدارة التحول الاستراتيجي بداخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي دمر مراكز القيادة والسيطرة.
وسيتحدد مستقبل الموقف الأوروبي وفق تماسك أجهزة الأمن الإيرانية وقدرتها على امتصاص الصدمة العسكرية العنيفة أو الانزلاق نحو فوضى عارمة.
ويجمع المحللون على أن أي تراجع أوروبي نحو لغة الحوار المألوفة سيكون بمثابة إعطاء قبلة الحياة لنظام متهالك، بينما يمثل العمل الموحد مع الحلفاء فرصة تاريخية لاقتلاع جذور الإرهاب العابر للحدود وتأمين الممرات البحرية في مضيق هرمز.
ويبقى الخيار الأنسب لأوروبا هو الاستعداد لسيناريوهات ما بعد النظام الحالي والتحرك كفاعل دولي قوي وصاحب رؤية بعيدة المدى قبل فوات الأوان وضياع الفرصة.