بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اكتشاف واعد لعلاج السرطان باستخدام بكتيريا قادرة على اختراق الأورام

بوابة الوفد الإلكترونية

يسعى فريق من الباحثين في جامعة واترلو في كندا إلى تطوير أسلوب  مبتكر لمواجهة وعلاج السرطان ، يعتمد على استخدام بكتيريا تم تعديلها وراثيًا بحيث تكون قادرة على اختراق الأورام الصلبة والتغذي عليها من الداخل، في محاولة لتحويل البكتيريا إلى سلاح بيولوجي ذكي يمكنه القضاء على الخلايا السرطانية بطريقة مختلفة عن العلاجات التقليدية مثل الجراحة أو العلاج الكيميائي.

وتستند هذه الفكرة العلمية إلى ملاحظة بيولوجية مهمة، وهي أن العديد من الأورام الصلبة تحتوي في مركزها على مناطق فقيرة جدًا بالأكسجين، ويرجع ذلك إلى أن الأوعية الدموية داخل الورم غالبًا ما تكون غير منتظمة أو ضعيفة، مما يؤدي إلى نقص وصول الأكسجين إلى القلب الداخلي للورم، هذه البيئة منخفضة الأكسجين تمثل تحديًا كبيرًا للعلاجات التقليدية، لكنها في المقابل تُعد بيئة مثالية لبعض أنواع البكتيريا اللاهوائية التي لا تستطيع العيش إلا في غياب الأكسجين.

بكتيريا التربة تتحول إلى أداة علاجية

تعتمد الاستراتيجية الجديدة على نوع من البكتيريا يُعرف باسم
‏Clostridium sporogenes، وهي بكتيريا تعيش عادة في التربة ولا تستطيع البقاء إلا في بيئات خالية تمامًا من الأكسجين، وقد لاحظ العلماء أن الجزء الداخلي من الورم السرطاني يوفر ظروفًا مناسبة جدًا لنمو هذا النوع من البكتيريا، لأن تلك المناطق غالبًا ما تكون مليئة بالخلايا الميتة وفقيرة بالأكسجين.

عندما يتم إدخال أبواغ هذه البكتيريا إلى الجسم، يمكنها الوصول إلى الورم والاستقرار داخله، وبمجرد أن تجد نفسها في البيئة المناسبة داخل الورم، تبدأ الأبواغ في التحول إلى بكتيريا نشطة تنمو بسرعة وتستهلك الموارد الغذائية المتوافرة داخل الكتلة الورمية، ومع مرور الوقت، يؤدي هذا النشاط إلى تآكل الورم تدريجيًا من الداخل، حيث تتغذى البكتيريا على الخلايا السرطانية والأنسجة المتحللة مما يؤدي إلى علاج السرطان مع الوقت.

رغم أن هذه الفكرة تبدو واعدة، إلا أن الباحثين واجهوا مشكلة رئيسية أثناء التجارب، فعندما تنتشر البكتيريا من مركز الورم نحو أطرافه، تبدأ بالوصول إلى مناطق تحتوي على كميات أكبر من الأكسجين، وبما أن هذه البكتيريا لا تستطيع العيش في وجود الأكسجين، فإنها تموت قبل أن تتمكن من القضاء على جميع الخلايا السرطانية الموجودة في أطراف الورم.

وللتغلب على هذا التحدي، قام العلماء بإجراء تعديل جيني على البكتيريا، فقد أضافوا إليها جينًا مأخوذًا من نوع آخر من البكتيريا القادرة على تحمل مستويات منخفضة من الأكسجين، هذا التعديل يمنح السلالة الجديدة قدرة أكبر على البقاء في المناطق التي تحتوي على قدر بسيط من الأكسجين، مما يسمح لها بالوصول إلى أجزاء أكبر من الورم.

نظام ذكي للتحكم في نشاط البكتيريا وعلاج السرطان

لكن هذا التعديل الجيني يطرح خطرًا آخر، إذ إن تشغيل الجين المقاوم للأكسجين في وقت مبكر قد يسمح للبكتيريا بالنمو في مناطق غنية بالأكسجين مثل مجرى الدم، وهو ما قد يسبب مخاطر صحية غير مرغوبة.

لذلك ابتكر العلماء حلاً يعتمد على آلية طبيعية في عالم البكتيريا تُعرف باسم الاستشعار النصابي أو Quorum Sensing، وتعتمد هذه الآلية على إشارات كيميائية تطلقها البكتيريا باستمرار، ومع زيادة عدد البكتيريا في مكان واحد يرتفع تركيز هذه الإشارات الكيميائية في البيئة المحيطة.

وعندما يصل عدد البكتيريا داخل الورم إلى مستوى معين، يصبح تركيز الإشارة الكيميائية مرتفعًا بما يكفي لتفعيل الجين المسؤول عن تحمل الأكسجين، وبهذه الطريقة لا يتم تشغيل هذا الجين إلا بعد أن تتجمع البكتيريا بكثافة داخل الورم نفسه، مما يقلل احتمالية نشاطها في أماكن أخرى داخل الجسم.

بيولوجيا تركيبية تشبه الدوائر الإلكترونية

لتحقيق هذا التحكم الدقيق، استخدم الباحثون تقنيات متقدمة من مجال البيولوجيا التركيبية، فقد صمموا ما يشبه الدوائر الإلكترونية، لكن بدلاً من الأسلاك والمكونات الإلكترونية استخدموا أجزاء مختلفة من الحمض النووي، كل جزء من هذه المقاطع الجينية يؤدي وظيفة محددة، وعند دمجها معًا تعمل كنظام منظم يمكن التنبؤ بطريقة عمله.

واستطاع العلماء بناء نظام جيني داخل البكتيريا يسمح لها بالتصرف بشكل ذكي ومنظم، بحيث تنشط قدراتها الجديدة فقط عندما تكون داخل البيئة المناسبة.

يسعى الفريق البحثي الآن إلى دمج جين تحمل الأكسجين مع نظام الاستشعار النصابي داخل سلالة واحدة من البكتيريا المهندسة، ثم اختبارها في نماذج ما قبل سريرية لمعرفة مدى قدرتها على مهاجمة الأورام الصلبة والتقليل من حجمها.

وإذا أثبتت هذه التقنية نجاحها في التجارب المستقبلية، فقد تمهد الطريق لظهور نوع جديد من العلاجات البيولوجية للسرطان، يعتمد على استخدام كائنات دقيقة مبرمجة وراثيًا لشن هجوم مباشر على الورم من الداخل، وهو ما قد يفتح آفاقًا واعدة في مكافحة هذا المرض المعقد بطرق أكثر دقة وفاعلية.