بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هوس تتبّع النوم.. كيف تحوّلت التكنولوجيا إلى سبب جديد للأرق؟

تتبع النوم
تتبع النوم

النوم .. يحذّر خبراء الصحة النفسية من ظاهرة مقلقة باتت تتصاعد في المملكة المتحدة، حيث أصبح عدد متزايد من الأفراد، في سعيهم لتحسين جودة نومهم، فريسة لحالة عكسية تمامًا. 

وكشفت تحليلات جديدة أن أجهزة تتبع النوم، التي صُممت لمراقبة وتحسين الراحة الليلية، قد تساهم فعليًا في تفاقم الأرق، وخاصةً لدى من يعانون أصلًا من اضطرابات النوم أو القلق النفسي.

هذه الظاهرة تُعرف باسم "الأورثوسومنيا"، هوس النوم المثالي، وهي حالة شبيهة بـ"الأورثوركسيا"، اضطراب الأكل المرتبط بهوس تناول الطعام الصحي. ويعاني المصابون بها من قلق مفرط حيال عدد ساعات النوم وجودته، ما يؤدي إلى نتائج عكسية تشمل الأرق، والإجهاد الذهني، بل وحتى الاكتئاب.

أجهزة تُربك الإحساس الطبيعي بالنوم

تشير البيانات إلى أن نحو نصف مستخدمي تطبيقات تتبع النوم، سواء كانت ساعات ذكية أو تطبيقات على الهاتف، يشعرون وكأنهم ارتكبوا "خطأً" إن أظهرت نتائج التتبع أنهم لم يناموا جيدًا، حتى وإن لم يشعروا فعليًا بالتعب. 

والأخطر من ذلك، أن اثنين من كل خمسة أشخاص يثقون في نتائج أجهزتهم أكثر من إحساسهم الجسدي الحقيقي، مما يخلق فجوة بين الواقع والإدراك.

وفي تصريح لصحيفة ديلي ميل، قالت ليزا أرتيس، نائبة الرئيس التنفيذي لمؤسسة النوم الخيرية، إن النوم أصبح في نظر البعض "مؤشرًا آخر للفشل الشخصي"، حيث يضغط الناس على أنفسهم لتحقيق "أداء مثالي" أثناء النوم، بدلاً من تركه يحدث طبيعيًا.

هل التكنولوجيا تُفسد علاقتنا بالراحة؟

الدكتور جاي ليشزينر، خبير اضطرابات النوم بمستشفى جايز في لندن، يؤكد أن الاعتماد المفرط على أجهزة التتبع قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وقال في تصريحات له خلال مهرجان تشيلتنهام للعلوم إن بعض المرضى يصابون بأرق شديد فقط بسبب قراءة نتائج منخفضة في تطبيقاتهم. وعلّق قائلًا: "إذا استيقظت وأنت تشعر بأنك بخير، فليس هناك داعٍ لتصديق جهاز يخبرك بأنك لم تنم جيدًا."

كما أظهرت دراسة أجرتها شركة تكنولوجيا النوم Simba أن 4.5 مليون امرأة في المملكة المتحدة، أي واحدة من كل تسع، يستخدمن تطبيقات لتتبع نومهن، فيما تشير الأرقام إلى أن أكثر من 40% من المستخدمين يشعرون بالفشل إذا لم يبلغوا "هدف عدد الساعات" الذي تحدده تلك التطبيقات.

القلق من النوم... يعيق النوم

أظهرت البيانات أن التركيز المفرط على جودة النوم قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث أقر ربع المشاركين في دراسة حديثة بأنهم يشعرون بمزيد من التوتر كلما حاولوا "إصلاح" نومهم. ويبدو أن جيل الشباب، خاصة من تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا، هم الأكثر تأثرًا، إذ يشعر 80% منهم بأنهم "أخفقوا" إذا لم تكن نتائج النوم كما يتوقعون.

وعلى الرغم من أن أدوات تتبع النوم يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات، إلا أن الخبراء يؤكدون ضرورة التعامل معها كأداة توجيه، وليس كحكم نهائي على جودة الراحة. فالنوم الجيد، في جوهره، يتعلق بما يشعر به الفرد عند الاستيقاظ، وليس بالأرقام على الشاشة.

بين التحسين والمبالغة... أين التوازن؟

في وقت يعاني فيه نحو 14 مليون بريطاني من اضطرابات النوم، تشير التقديرات إلى أن قلة النوم ترتبط بمشكلات صحية خطيرة كالسكتات الدماغية والسرطان والعقم. ومع ذلك، فإن التحذيرات تتزايد من أن الهوس بتحسين النوم قد يكون هو نفسه أحد الأسباب الرئيسية لتعطيله.

الرسالة الأهم التي يوجّهها المتخصصون اليوم هي ضرورة إعادة العلاقة مع النوم إلى طبيعتها: لا بأس في الاستيقاظ ليلًا، ولا يجب أن يُقاس النجاح بعدد ساعات النوم، بل بشعور الراحة الذهنية والجسدية عند بداية اليوم.