المراد بـ لـ"مكر الله".. سرّ لغوي بليغ يفضح خطط البشر
قد يتوقف القارئ عند قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، متسائلًا: كيف يُنسَب المكر إلى الله وهو سبحانه منزه عن كل نقص؟ هنا يفتح لنا فضيلة الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، زاوية مختلفة لفهم هذا التعبير القرآني البليغ.
المشاكلة.. حين يفضح القرآن الإنسان بلغته
السر يكمن في ما يسميه البلاغيون "المشاكلة"، أي استخدام نفس اللفظ الذي يرد من البشر لكن على معنى يليق بالله.
فكما يقول تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، أو: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، فالأمر ليس نسيانًا أو مكرًا بالمعنى البشري، بل هو جزاء من جنس العمل؛ أي أن الله يقلب خططهم ضدهم، فيسقطون في شباك ما أرادوا لغيرهم.
مكر البشر.. لحظة انكشاف أمام قدرة الله
في واقع الحياة، نرى كيف تُحاك المؤامرات وتُنسَج الخطط لإيذاء الحق وأهله. لكن "مكر الله" ليس تدبيرًا سريًا كما يتوهم البعض، بل هو إحباطٌ لمكائد الماكرين بطريقة لا تخطر لهم على بال. كل ما يمكرون به لا يساوي شيئًا أمام قدرة الله، الذي يحوّل تدبيرهم إلى تدميرهم.
لماذا استخدم القرآن هذه الألفاظ؟
القرآن يخاطب الناس بلغتهم التي يفهمونها، فينزل إلى مستوى ألفاظهم ليُظهر التباين الهائل بين فعلهم وفعل الله. فإذا كان مكر البشر يحمل الخداع والظلم، فإن "مكر الله" يحمل العدل والانتصار للحق، ويكشف ضعفهم مهما بلغ دهاؤهم.
درس للمؤمنين اليوم
هذا الفهم يزرع في قلب المؤمن يقينًا أن العالم مهما ضجّ بالمؤامرات والدهاء السياسي والاقتصادي والعسكري، فإن فوق كل ذلك تدبيرًا إلهيًا محكمًا، قد لا نراه في لحظته، لكنه يعمل بصمت حتى يُبطل الباطل وينصر الحق.
"مكر الله" ليس صفة نقص، بل وجه من وجوه العدل الإلهي الذي يرد كيد الظالمين إلى نحورهم، وما على المؤمن إلا أن يطمئن أن وراء الأحداث ربًا لا يخفى عليه شيء، وأن كل مكرٍ بشري محدود أمام كلمة: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.