أدباء على الطريق
إيمان عبدالرحيم.. تكتب عن الذين يموتون دون أن يلاحظهم أحد فيلاحظها الجميع
لفتت الكاتبة الشابة إيمان عبد الرحيم أنظار الوسط الثقافي عقب نشر قصتها "في الثامنة وسبع دقائق صباحا"، لتقدم نفسها بوصفها صوتا أدبيا يستحق التوقف أمام تجربته؛ إذ لا تكتفي كتابتها برصد الأحداث، بل تتعمق في ما وراءها من أسئلة إنسانية. ففي عالم إيمان عبد الرحيم قد يموت الإنسان دون أن يغادر مكتبه، وقد يفقد المرء نسخة قديمة من نفسه، بينما تستمر الحياة وكأن شيئا لم يحدث.
وفي حوارنا معها، تتحدث الكاتبة عن البدايات التي لم تكن قرارا بقدر ما كانت استجابة لحاجة داخلية إلى الكتابة، وعن الفقد بوصفه سؤالا متكررا في نصوصها، وعن السخرية باعتبارها حيلة فنية ووسيلة لمواجهة الألم. كما تكشف عن علاقتها بالتراث الأدبي، ورغبتها في التخلص من الشرح الزائد، والوصول إلى كتابة أكثر صدقا واقتصادا.
إنها تجربة في طور التشكل، لكنها تحمل ملامح صوت يبحث عن خصوصيته، ويبدو أن رهانه الأول ليس إبهار القارئ، بل الاقتراب من حقيقة الإنسان بكل ما فيها من هشاشة وتناقض ووجع.

ما الجرح أو السؤال الأول الذي تعودين إليه في كل ما تكتبين، وإن اختلفت الحكايات؟ ومتى أدركتِ أن الكتابة طريقك؟
_ أظن أنني أعود دائمًا إلى الفقد، لكن ليس الموت وحده. الفقد بمعناه الأوسع: أن تفقد شخصًا، أو بيتًا، أو نسخة قديمة من نفسك، أو حتى احتمالًا كان يمكن أن تكونه حياتك ولم تصبحه. يشغلني أيضًا سؤال: كيف ينجو الإنسان مما حدث له؟ وهل ينجو فعلًا، أم يتعلم فقط أن يحمل خرابه بطريقة أكثر أناقة؟
لا أذكر لحظة محددة أدركت فيها أن الكتابة طريقي. لم أتخذ قرارًا بأن أصبح كاتبة. كنت أكتب، ثم واصلت الكتابة. ربما لأنني لم أعرف طريقة أخرى أرتب بها العالم. الكتابة بالنسبة لي علاج، بالتأكيد، كما أنها وسيلتي لفهم الأشياء بعد أن تحدث، وأحيانًا أثناء حدوثها، وفي أحيان كثيرة لفشلي في فهمها.
أين ترين نفسك من الأدب العربي الذي سبقك؟ هل تكتبين امتدادًا له أم قطيعة معه؟
_ لا أفكر في نفسي باعتباري امتدادًا أو قطيعة. هذه أسئلة يستطيع النقاد الإجابة عنها أفضل مني. أنا قارئة للأدب العربي، ومتأثرة به بالطبع، كما أنا متأثرة بالأدب المترجم والسينما والموسيقى والناس الذين عرفتهم، وحتى بالمحادثات العابرة التي سمعتها مصادفة.
أعتقد أن الكاتب يحمل كل ما قرأه داخله، ثم يحاول، إذا كان محظوظًا، أن يجد صوته الخاص وسط هذه الضوضاء. لا أريد أن أقتل آبائي الأدبيين، ولا أن أقيم في بيوتهم. أفضل أن أمر عليهم، وأن أتركهم يتسللون إلى اللاوعي لديّ، ثم أكتب. أما المحصلة النهائية، وما إذا كانت امتدادًا أو قط٩يعة أو شيئًا آخر تمامًا، فهذا ليس شأني على الأرجح.
لماذا تلجئين إلى السخرية حين يكون الموضوع موجعًا؟ هل هي حيلة فنية تقرّب القارئ من الألم، أم دفاع نفسي تحتمين به؟
_ الاثنان، على الأرجح. أنا أسخر في الحياة أيضًا حين تكون الأمور في أسوأ حالاتها. لديّ ميل غريب لرؤية الجانب العبثي في الكارثة، وربما يتسلل هذا إلى الكتابة تلقائيًا.
لا أحب الابتزاز العاطفي في الأدب. حين يكون المشهد مؤلمًا جدًا، أشعر أن السخرية تمنحه مسافة صغيرة يتنفس منها. بدلًا من أن أقول للقارئ: «انظر كم أتألم، عليك الآن أن تتألم معي»، أضع أمامه الموقف وأتركه يقرر بنفسه. وربما أحمي نفسي أيضًا. الإنسان الذي يستطيع أن يضحك على الوحش، ولو للحظة، يشعر أن الوحش صار أصغر قليلًا.
في قصة «في الثامنة وسبع دقائق صباحًا»، يموت الأستاذ مجدي ولا يتغير شيء. هل كنتِ تكتبين عن الموت، أم عن أشخاص ماتوا قبل أن يموتوا، في عالم لا يرى الإنسان إلا بقدر ما ينتج؟
_ كنت أكتب عن الاثنين، لكن الثاني يخيفني أكثر. الموت نفسه واضح ونهائي، أما أن يموت الإنسان ويستمر في الحضور إلى العمل، وإنجاز التقارير، والجلوس إلى مكتبه، ولا يلاحظ أحد موته، فهذا بالنسبة لي أكثر رعبًا.
القصة بدأت من صورة عبثية، ثم اكتشفت أثناء الكتابة أنها تتحدث عن عالم يمكن فيه استبدال الإنسان بسهولة شديدة. ما دام الكرسي مشغولًا والتقرير يصل في موعده، فما أهمية أن يكون الجالس على الكرسي حيًا أو ميتًا؟ وربما الأكثر قسوة أن الشخصيات نفسها اعتادت هذا العالم إلى درجة أنها لم تعد تراه غريبًا.
حين تعيدين قراءة نصوصك القديمة، ما الذي يزعجك فيها؟ وإلى أين تريدين أن تبلغي بالكتابة؟
_ يزعجني الشرح. كلما عدت إلى نص قديم وجدتني أشرح شيئًا كان يمكن لصورة أو مشهد أو جملة واحدة أن تقوله. ويزعجني أيضًا خوفي القديم من ألا يفهم القارئ، فأمسك بيد القارئ أكثر مما ينبغي.
الآن أريد أن أثق به أكثر، وأن أثق باللغة أكثر. أريد أن أحذف الجملة التي تشرح الجملة السابقة، وأن أترك الثقوب في الحكاية مفتوحة قليلًا.
ولا أعرف إلى أين أريد أن أصل. ربما هذه ميزة. لا أريد أن أصبح «كاتبة عظيمة»، ولا أعرف أصلًا ماذا يعني ذلك. أريد فقط، كلما كتبت نصًا جديدًا، أن يكون أقل كذبًا من سابقه، وأكثر دقة في الإمساك بذلك الشيء الغامض الذي حدث داخلي ولم أعرف له اسمًا.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض