رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

على امتداد التاريخ، ارتبطت التحولات الاقتصادية الكبرى باكتشاف مجالات جديدة للنشاط البشري. فالبحار فتحت طرق التجارة العالمية، والثورة الصناعية أعادت تشكيل الإنتاج، ثم جاء الاقتصاد الرقمي ليغير طريقة تواصل البشر وعملهم وإدارة أعمالهم. واليوم يقف العالم أمام مرحلة جديدة، لم تعد حدودها اليابسة أو البحر أو الفضاء الإلكتروني، بل تمتد إلى ما هو أبعد من الغلاف الجوي للأرض، حيث يتشكل اقتصاد جديد تتسارع وتيرته بصورة غير مسبوقة.

ولم يعد الفضاء حكراً على وكالات الفضاء الحكومية أو البعثات العلمية التي كانت ترمز إلى المنافسة بين القوى الكبرى. فقد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً، وأصبحت الشركات الخاصة والمستثمرون وصناديق الاستثمار لاعباً رئيسياً فيه. وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن حجم الاقتصاد الفضائي العالمي، الذي يقترب اليوم من 630 مليار دولار، قد يتجاوز 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، وهو معدل نمو يفوق كثيراً من القطاعات الاقتصادية التقليدية.

ولا يعود هذا النمو إلى زيادة عدد الرحلات الفضائية، وإنما إلى تغير طبيعة الفضاء نفسه. فما كان يعد في الماضي مشروعاً علمياً مُكلفاً، أصبح اليوم جزءاً من البنية الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. فالاتصالات، والملاحة، والخدمات المصرفية، والطيران، وسلاسل الإمداد، والزراعة الدقيقة، وإدارة الكوارث، والتنبؤ بالطقس، جميعها تعتمد بدرجات متفاوتة على الأقمار الصناعية والبيانات القادمة من الفضاء.

ولهذا، فإن القيمة الاقتصادية للفضاء لا تتولد في المدار بقدر ما تتولد على الأرض. فالقمر الصناعي الذي يلتقط صورة لمحصول زراعي قد يساعد في تقليل استهلاك المياه والأسمدة وزيادة الإنتاج. والبيانات التي ترصد حركة السفن والطائرات تدعم التجارة العالمية وإدارة الموانئ. أما أنظمة الملاحة الفضائية فأصبحت جزءاً من الحياة اليومية، بدءاً من تطبيقات الخرائط في الهواتف الذكية، وصولاً إلى إدارة شبكات النقل والخدمات اللوجستية في أكبر الاقتصادات.

ويشير ذلك إلى تحول مهم في طبيعة الاستثمار الفضائي. ففي العقود الماضية كانت القيمة تتركز في بناء الصاروخ أو إطلاق القمر الصناعي. أما اليوم، فأصبحت القيمة الحقيقية في التطبيقات والخدمات التي تبنى فوق هذه البنية الأساسية. وهي الفكرة نفسها التي شهدها الاقتصاد الرقمي؛ فلم يكن الإنترنت هو مصدر القيمة الأكبر، بل الشركات والخدمات التي نشأت فوقه.

ولهذا، لم تعد المنافسة العالمية تدور حول امتلاك القدرة على إطلاق الصواريخ، بل حول بناء منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ بالبحث العلمي، وتمر بالصناعة والتقنيات المتقدمة، وتنتهي بشركات قادرة على تحويل البيانات الفضائية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية. ولهذا السبب، أصبح القطاع الخاص يقود جانباً كبيراً من هذا التحول.

وتجسد شركة سبيس إكس هذا التغير بصورة واضحة. فقد أدى تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام إلى خفض تكلفة الإطلاق بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي فتح الباب أمام آلاف الشركات الناشئة للدخول إلى الاقتصاد الفضائي. كما دفعت شركات أخرى، مثل أمازون من خلال مشروع "كايبر"، وشركات متخصصة في مراقبة الأرض وتحليل البيانات، إلى توسيع نطاق الاستثمار في الخدمات الفضائية، بدلاً من الاقتصار على تصنيع المركبات والصواريخ.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومات تنظر إلى الفضاء باعتباره قطاعاً إنتاجياً لا يقل أهمية عن قطاعات الطاقة أو الصناعة أو التكنولوجيا. فالولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، تضخ استثمارات ضخمة في تطوير الصناعات الفضائية، ليس لأسباب علمية فقط، وإنما لأنها تنظر إلى هذا القطاع باعتباره مصدراً للنمو الاقتصادي، وفرص العمل، والابتكار، والسيادة التكنولوجية.

وتتجاوز آثار الاقتصاد الفضائي حدود الدول الصناعية الكبرى. فالدول النامية أصبحت من أكبر المستفيدين من خدماته، سواء في تحسين إنتاجية الزراعة، أو إدارة الموارد المائية، أو التخطيط الحضري، أو مراقبة الغابات، أو الاستجابة للكوارث الطبيعية. كما أتاحت الأقمار الصناعية وصول خدمات الاتصالات والإنترنت إلى مناطق كانت معزولة لعقود طويلة، وهو ما أسهم في توسيع النشاط الاقتصادي وتحسين فرص التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية.

وتفتح هذه التحولات فرصاً مهمة أمام الدول العربية. فالمنطقة لا تمتلك حتى الآن صناعة فضائية تضاهي الاقتصادات الكبرى، لكنها تمتلك عناصر يمكن البناء عليها. فهناك استثمارات متزايدة في برامج الفضاء، وبنية تحتية متطورة في مجالات الاتصالات والطاقة، ورؤوس أموال قادرة على الاستثمار طويل الأجل، إلى جانب موقع جغرافي يجعل المنطقة محطة مهمة للاتصالات والملاحة والخدمات اللوجستية.

غير أن المشاركة في الاقتصاد الفضائي لا تعني بالضرورة تصنيع الصواريخ أو إرسال رواد الفضاء. فالقيمة الأكبر قد تتحقق من تطوير التطبيقات التي تعتمد على البيانات الفضائية، ومن إنشاء شركات متخصصة في تحليل الصور الفضائية، وإدارة الموارد الطبيعية، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي. فهذه القطاعات تمثل الجزء الأسرع نمواً والأعلى قيمة في الاقتصاد الفضائي الحديث.

كما أن الجامعات ومراكز البحث العلمي سيكون لها دور حاسم في هذا التحول. فالاقتصاد الفضائي يعتمد على علوم متقدمة تشمل الذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات الدقيقة، وعلوم المواد، والروبوتات، والحوسبة المتقدمة، وتحليل البيانات. وكل استثمار في هذه المجالات ينعكس على قطاعات أخرى داخل الاقتصاد، حتى وإن لم يكن مرتبطاً مباشرة بالفضاء.

وفي المقابل، يواجه هذا الاقتصاد تحديات متزايدة. فقد أدى التوسع السريع في إطلاق الأقمار الصناعية إلى ارتفاع كمية الحطام الفضائي، وهو ما يهدد سلامة المدارات والأصول الفضائية. كما أن غياب قواعد دولية متفق عليها بشأن استغلال الموارد الفضائية، وحقوق التعدين في الكويكبات والقمر، يطرح أسئلة قانونية وسياسية ستزداد أهمية مع اتساع النشاط التجاري خارج الأرض.

وتبرز أيضاً قضية توزيع المنافع. فإذا تحول الاقتصاد الفضائي إلى مجال تحتكره مجموعة محدودة من الدول والشركات، فإن الفجوة التكنولوجية قد تتسع بصورة أكبر. أما إذا نجحت المؤسسات الدولية في بناء قواعد تضمن انفتاح الأسواق، وتشجيع الابتكار، وتبادل المعرفة، فقد يتحول هذا القطاع إلى أحد أكبر محركات التنمية العالمية خلال العقود المقبلة.

بالنسبة إلى العالم العربي، فإن الفرصة لا تكمن في محاولة تكرار تجارب الدول الكبرى، وإنما في اختيار موقع واضح داخل الاقتصاد الفضائي العالمي. فالدخول في هذا القطاع يتطلب بناء القدرات التي يحتاج إليها؛ من البحث العلمي، والتعليم الهندسي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، إلى تطوير التطبيقات والخدمات التي تعتمد على البنية الفضائية. وكلما نجحت الاقتصادات العربية في توجيه استثماراتها نحو هذه المجالات، أصبحت أكثر قدرة على تحويل الاقتصاد الفضائي إلى جزء من منظومتها الإنتاجية، وبناء قطاع جديد يضيف قيمة حقيقية لاقتصاداتها خلال العقود المقبلة