من باب المندب إلى شرق المتوسط.. ملفات استراتيجية تفرض نفسها على مصر
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتصاعد التحديات الأمنية والعسكرية والسياسية المحيطة بالدول العربية، تزداد أهمية امتلاك الدول مقومات القوة الشاملة التي تمكنها من حماية أمنها القومي والحفاظ على استقرارها ومصالحها الاستراتيجية.
ولم يعد مفهوم الأمن القومي مقتصرًا على حماية الحدود وتأمين الأراضي، بل أصبح يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل القدرات العسكرية، والتحركات السياسية والدبلوماسية، وقوة المؤسسات الوطنية، والقدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، بما يضمن حماية مقدرات الدولة والحفاظ على مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارتي أفريقيا وآسيا، ويشرف على ممرات بحرية ذات أهمية عالمية، في مقدمتها قناة السويس والبحر الأحمر، فضلًا عن امتداد حدودها البرية والبحرية في مناطق تشهد تطورات سياسية وأمنية متلاحقة.
مفهوم القوة الشاملة
وتفرض هذه الخصوصية الجغرافية على الدولة المصرية التعامل مع مجموعة من التحديات المتداخلة، بدءًا من الأوضاع في ليبيا والسودان، مرورًا بالتطورات في البحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى التحولات في شرق المتوسط وما يرتبط بها من مصالح اقتصادية وموارد للطاقة وتنافسات إقليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز مفهوم القوة الشاملة باعتباره أحد العناصر الرئيسية في حماية الأمن القومي، إذ تتكامل القدرات العسكرية مع التحركات السياسية والدبلوماسية، بما يساعد الدولة على مواجهة المخاطر والحفاظ على مصالحها دون الانجرار إلى صراعات غير محسوبة.
كما تبرز أهمية إدراك المسؤولين لطبيعة الدولة ومقومات قوتها والتحديات التي تواجهها، باعتبار أن التخطيط الاستراتيجي السليم يبدأ بفهم شامل للواقع الجغرافي والسياسي والأمني، وتقدير المخاطر المحتملة والاستعداد للتعامل معها.
مفهوم الدولة ومقومات القوة الشاملة
ومن جانبه، أكد اللواء الدكتور أيمن سليمة، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن مصر تمتلك مقومات القوة الشاملة التي تؤهلها للحفاظ على مكانتها الإقليمية والدولية، مشددًا على أهمية إدراك المسؤولين لمفهوم الأمن القومي وأبعاده العسكرية والسياسية والداخلية، في ظل التحديات المتعددة التي تواجه الدولة المصرية على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
وأوضح اللواء الدكتور أيمن سليمة، أن مفهوم الدولة لا يقتصر على الجغرافيا والتاريخ فحسب، وإنما يرتبط بتوافر مقومات الأمن القومي والقوة الشاملة، بما يتناسب مع مكانة مصر وحضارتها وثقلها الإقليمي والدولي.
وأضاف أن مصر تحظى بمكانة بارزة على الساحة الدولية، مستندة إلى تاريخها الحضاري وما تمتلكه من مقومات تؤهلها للقيام بدور مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، لافتًا إلى أهمية إدراك عمق مفهوم الدولة وعدم التعامل معه بصورة سطحية أو اختزاله في عناصر محدودة.
وشدد الخبير العسكري والاستراتيجي على أن فهم طبيعة الدولة ومقومات قوتها يمثل ضرورة بالنسبة إلى المسؤولين، خاصة في ظل تشابك التحديات التي تواجه مصر والمنطقة، موضحًا أن التعامل مع قضايا الأمن القومي يتطلب رؤية متكاملة تربط بين القدرات المتاحة والمخاطر المحتملة وأولويات حماية المصالح الوطنية.
مصر تحافظ على حدودها
وفيما يتعلق بالسياسة المصرية تجاه التحديات الإقليمية، أشار سليمة إلى أن مصر تحرص على حماية حدودها والحفاظ على أراضيها، مؤكدًا أن سياستها تقوم على عدم الاعتداء على الآخرين، مع التصدي لأي تهديد يمكن أن يمس أمنها أو سلامة أراضيها.
وأوضح أن الحفاظ على الأمن القومي لا يعني التوجه نحو المواجهات، وإنما يتطلب امتلاك القدرة على حماية الحدود والتعامل مع التهديدات المختلفة، إلى جانب توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية في إدارة الأزمات والتعامل مع التطورات الإقليمية.
وأضاف أن مصر تتمتع بثقل إقليمي وعلاقات قوية مع قوى دولية فاعلة، وهو ما يعزز دورها في التعامل مع عدد من القضايا والأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ويجعل التحركات المصرية ذات أهمية في الجهود الرامية إلى احتواء التوترات والحفاظ على الاستقرار.
وأكد أن إدراك مفهوم الدولة يجب أن يكون حاضرًا لدى جميع المسؤولين، بما يضمن التعامل مع ملفات الأمن القومي وفق رؤية شاملة تراعي المصالح الوطنية والتوازنات الإقليمية والدولية.
4 اتجاهات استراتيجية
وأوضح الخبير العسكري والاستراتيجي أن مصر تواجه تحديات أمنية على عدة اتجاهات استراتيجية، تتطلب الحفاظ على مقومات القوة الشاملة وتعزيز القدرة على حماية الحدود والتعامل مع المخاطر المحيطة بالدولة.
وأشار إلى أن الاتجاه الغربي، المتمثل في الحدود المصرية مع ليبيا، يمثل أحد الملفات المهمة في حسابات الأمن القومي، في ظل امتداد الحدود لمسافة تقدر بنحو 1200 كيلومتر، وما يرتبط بالمنطقة من تطورات أمنية وسياسية تستدعي المتابعة المستمرة.
كما لفت إلى أهمية الاتجاه الجنوبي المرتبط بالحدود مع السودان، التي تقدر بنحو 1300 كيلومتر، موضحًا أن التطورات في السودان تفرض تحديات تتعلق بأمن الحدود واستقرار المنطقة، وهو ما يجعل متابعة الأوضاع هناك جزءًا مهمًا من حسابات الأمن القومي المصري.
وأضاف أن البحر الأحمر يمثل اتجاهًا استراتيجيًا آخر، بالنظر إلى أهميته في حركة التجارة الدولية وارتباطه بأمن الملاحة البحرية، فضلًا عن التطورات التي تشهدها المنطقة المحيطة به، وما تفرضه من اعتبارات أمنية واقتصادية على مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

