مخاطر تهديدات الحوثيين.. ماذا ينتظر التعاون المصري السعودي؟
في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحديات أمنية وسياسية متشابكة، تتزايد أهمية تعزيز التعاون العربي المشترك، خاصة بين الدول التي تمثل ثقلًا استراتيجيًا وسياسيًا في المنطقة، وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية.
مع تصاعد التوترات الإقليمية، وتعدد بؤر الصراع، وتنامي المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر، تبرز الحاجة إلى تنسيق المواقف وتكثيف الجهود الدبلوماسية والأمنية لحماية المصالح العربية والحفاظ على استقرار المنطقة، بما يضمن عدم اتساع نطاق المواجهات وتحولها إلى صراعات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على أمن الدول وشعوبها.
وتكتسب العلاقات المصرية السعودية أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى ما يجمع البلدين من روابط تاريخية ومصالح استراتيجية مشتركة، فضلًا عن الدور الذي يؤديه كل منهما في التعامل مع الأزمات الإقليمية ودعم الاستقرار العربي.
ولا يقتصر التعاون بين القاهرة والرياض على التنسيق السياسي والدبلوماسي، بل يمتد إلى ملفات الأمن القومي وحماية الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهي قضايا ترتبط بصورة مباشرة بالمصالح الاقتصادية والأمنية للدول العربية، خاصة في ظل التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر والتطورات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي.
تحركات الجماعات المسلحة
وفي هذا الإطار، تبرز التحذيرات المتعلقة بتحركات الجماعات المسلحة في المنطقة، وما قد يترتب عليها من تداعيات تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها، لتطال أمن الممرات البحرية واستقرار الأسواق وحركة التجارة الدولية. كما تفرض هذه التطورات أهمية البحث عن آليات أكثر فاعلية للتنسيق العربي، تجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية والتحرك الدبلوماسي، مع الحفاظ على فرص التسوية السياسية وتجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية واسعة قد تزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية.
ومن جانبه، أكد الدكتور خالد الهباس، الأمين العام المساعد السابق للشؤون السياسية بجامعة الدول العربية، أن التعاون المصري السعودي يمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي العربي، في ظل ما وصفه بالتهديدات المتزايدة التي يفرضها المشروع الإيراني التوسعي وتحركات الجماعات المسلحة التابعة له في المنطقة، مشيرًا إلى أن إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية حال طلبها ذلك، يعكس الترابط بين أمن البلدين وأمن دول الخليج والأمن القومي العربي بوجه عام.
التعاون المصري السعودي
وأوضح خالد الهباس، أن العلاقات المصرية السعودية تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للتضامن العربي، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة، مؤكدًا أن التنسيق بين القاهرة والرياض يكتسب أهمية متزايدة مع تصاعد المخاطر المرتبطة بتحركات الجماعات المسلحة وتداعياتها على استقرار الدول العربية.
وأشار إلى أن إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية إذا طلبت ذلك، يعكس إدراكًا لطبيعة الترابط بين الأمن القومي المصري وأمن الخليج، باعتبار أن التحديات التي تواجه إحدى دول المنطقة قد تمتد آثارها إلى دول أخرى، خاصة عندما تتعلق بأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية والاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن مواجهة التهديدات المشتركة تتطلب تعزيز التنسيق بين الدول العربية، وتبادل الرؤى والمعلومات، وتطوير آليات التعاون بما يتناسب مع طبيعة المخاطر القائمة، مع مراعاة الأطر القانونية المنظمة لأي تحرك دفاعي أو أمني.
تداعيات تحركات الحوثيين
وأوضح الأمين العام المساعد السابق للشؤون السياسية بجامعة الدول العربية أن التحركات المرتبطة بجماعة الحوثي في اليمن تمثل، بحسب تقديره، تهديدًا لا يقتصر على المملكة العربية السعودية، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي، في ضوء ما قد تسببه الهجمات التي تستهدف الملاحة البحرية من اضطرابات في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن التهديدات البحرية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية لقناة السويس ودورها في حركة التجارة العالمية، موضحًا أن الاضطرابات التي شهدتها الملاحة خلال عامي 2023 و2024 انعكست على إيرادات القناة، حيث أشار إلى تراجعها بأكثر من 60% خلال تلك الفترة نتيجة تداعيات التوترات والهجمات المرتبطة بالبحر الأحمر.
وأكد أن هذه التطورات توضح مدى ارتباط الأمن البحري بالمصالح الاقتصادية للدول العربية، وأن حماية الممرات البحرية لا تمثل مسؤولية دولة واحدة، بل تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا للحد من المخاطر وضمان حرية الملاحة واستمرار حركة التجارة.
مخاوف من امتداد التهديدات إلى القرن الأفريقي
وفي سياق متصل، لفت الهباس إلى أن التقارير المتعلقة بالتواصل بين جماعة الحوثي وحركة الشباب في الصومال تثير مخاوف بشأن احتمال اتساع نطاق التهديدات، لتشمل الإرهاب والجريمة المنظمة وأمن الملاحة البحرية، مشددًا على أهمية التعامل مع هذه المخاطر من خلال التنسيق وتبادل المعلومات بين الدول المعنية.
وأوضح أن التطورات في منطقة القرن الأفريقي تتداخل مع اعتبارات الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، الأمر الذي يجعل متابعة هذه الملفات ضرورية في إطار أوسع يراعي ترابط الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وأشار إلى أن ما وصفه بالقدرات العسكرية النوعية التي تمتلكها جماعة الحوثي، إلى جانب المخاوف المرتبطة بصلاتها المحتملة مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، يفرض ضرورة تعزيز التعاون الأمني والدبلوماسي، والعمل على منع توسع التهديدات بما يؤثر على أمن الدول العربية ومصالحها الاستراتيجية.
أطر قانونية للتحرك الدفاعي
وأكد خالد الهباس أن أي تحرك دفاعي محتمل لحماية المملكة العربية السعودية يستند، بحسب طرحه، إلى أطر قانونية دولية وعربية، من بينها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالحق في الدفاع عن النفس، واتفاقية الدفاع العربي المشترك، مشيرًا إلى أهمية الالتزام بالقواعد القانونية المنظمة للعلاقات بين الدول والتحركات الدفاعية.
وأوضح أن الاستناد إلى هذه الأطر يرتبط بضرورة حماية أمن الدول في مواجهة الاعتداءات والتهديدات، مع مراعاة طبيعة كل حالة والضوابط القانونية ذات الصلة، بما يضمن أن تكون التحركات في إطار الدفاع المشروع وحماية الأمن والاستقرار.
وشدد على أن التعاون المصري السعودي لا يعني بالضرورة التوجه نحو مواجهة عسكرية واسعة، وإنما يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة تتناسب مع طبيعة التحديات والاحتياجات الأمنية، على أن تحدد الجهات المختصة في البلدين آليات التنسيق ومستوياته وفقًا للمصالح المشتركة والظروف القائمة.
مجالات التعاون العسكري
وفيما يتعلق بمجالات التعاون المحتملة بين مصر والسعودية، أشار الهباس إلى إمكانية أن يشمل التنسيق حماية الأمن البحري في البحر الأحمر، وتأمين سلاسل الإمداد، والدفاع الجوي، والدعم اللوجستي والتقني، إلى جانب تبادل المعلومات، بما يعزز قدرة البلدين على التعامل مع التهديدات المشتركة.
وأوضح أن تنوع هذه المجالات يعكس تعدد أبعاد الأمن القومي، الذي لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود البرية أو التصدي للهجمات العسكرية المباشرة، بل يشمل أيضًا تأمين الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية وضمان استمرار حركة التجارة والإمدادات.
وأضاف أن تحديد طبيعة التعاون وآلياته يظل من اختصاص الجهات المعنية في البلدين، وفقًا للتقديرات الأمنية والاستراتيجية، وبما يحقق أهداف الحماية والردع دون التوسع في المواجهات أو تعريض المنطقة لمزيد من التصعيد.
مصر تتمسك بتجنب الحروب
ولفت الهباس إلى أن مصر تواجه مصادر متعددة للتهديدات الأمنية، من بينها التطورات في القرن الأفريقي، والأوضاع في السودان، وأزمة سد النهضة، إلى جانب التطورات في ليبيا وقطاع غزة، وهو ما يفسر أهمية الحفاظ على التوازن بين حماية الأمن القومي وتجنب الانجرار إلى صراعات جديدة.
وأشار إلى أن تعدد الملفات الإقليمية يفرض على القاهرة مواصلة التحرك الدبلوماسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء العرب، مع الاحتفاظ بالقدرات اللازمة لحماية المصالح الوطنية والتعامل مع التحديات المحتملة.
وأكد أن السياسة القائمة على خفض التصعيد ودعم التسويات السياسية تمثل مسارًا مهمًا لتجنب اتساع نطاق الأزمات، خاصة في منطقة تعاني بالفعل من صراعات ممتدة وتداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية متزايدة.
السعودية تدعم الشرعية اليمنية
وفيما يتعلق بطبيعة الدور السعودي في اليمن، قال الهباس إن المملكة لا تخوض حربًا في اليمن، وإنما تدعم قوات الشرعية اليمنية في مواجهة هجمات الحوثيين، مؤكدًا أن للسعودية الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها.
وأضاف أن المملكة سعت في مراحل مختلفة إلى خفض التصعيد ودعم التسويات السلمية، معتبرًا أن التطورات الحالية، وفقًا لتقييمه، ترتبط بالدفاع عن النفس والتصدي للهجمات الحوثية، وليس بالتوجه نحو شن حرب أو الدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
وشدد على أهمية دعم المسارات السياسية التي تساعد على احتواء الأزمة اليمنية، بما يحافظ على أمن دول المنطقة ويحد من التداعيات التي قد تنعكس على الملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي.
دعوة إلى مجلس الأمن
وفي ختام تصريحاته، دعا خالد الهباس المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياتهما في مواجهة استمرار حصول جماعة الحوثي على الأسلحة والقدرات العسكرية النوعية، مطالبًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن مصادر تسليح الجماعة، في إطار القرارات الدولية القائمة.
وأكد أن التعامل مع هذه القضية يتطلب تحركًا دوليًا جادًا للتحقق من مصادر الأسلحة ومسارات وصولها، وتطبيق القرارات ذات الصلة، بما يسهم في الحد من تصاعد القدرات العسكرية التي قد تهدد أمن المنطقة والملاحة البحرية.
واختتم الهباس بالتأكيد على أن المنطقة العربية تحتاج إلى السلام والاستقرار، وليس إلى مزيد من الصراعات، مشددًا على أهمية التقاء الجهود المصرية والسعودية عند هدف حماية الأمن الوطني والعربي، وتعزيز التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية وتجنب توسيع نطاق المواجهات العسكرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

