خبير نفسي يوضح تأثير الغربة على المصريين بالخارج
كشف الدكتور عبد الناصر عمر، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس ورئيس مجلس إدارة مستشفى المشفى، عن التأثيرات النفسية والاجتماعية التي قد تصاحب تجربة الاغتراب لدى المصريين بالخارج، موضحًا أن تحديات الغربة لا تقتصر على التأقلم مع مجتمع جديد واختلاف العادات والثقافات، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية وتربية الأبناء والحفاظ على الهوية الوطنية، وقد تتجدد عند اتخاذ قرار العودة إلى مصر بعد سنوات طويلة من الإقامة في الخارج.
جاء ذلك خلال مشاركته في اللقاء الخامس من الصالون الثقافي للمصريين بالخارج، الذي عقده السفير نبيل حبشي، نائب وزير الخارجية للهجرة والمصريين بالخارج، في حوار تناول الصحة النفسية للأسر المصرية المغتربة، وسبل التعامل مع الضغوط النفسية التي تفرضها الحياة بعيدًا عن الوطن، والتحديات التي تواجه الآباء والأبناء في بناء حياة مستقرة داخل مجتمعات تختلف في لغتها وعاداتها وأنماط حياتها.
عبد الناصر عمر: تجربة الاغتراب تبدأ قبل السفر ولا تنتهي بالعودة
استعرض الدكتور عبد الناصر عمر المراحل المختلفة لتجربة الاغتراب، بداية من الاستعداد للسفر وما يرتبط به من توقعات بشأن الحياة الجديدة، مرورًا بمحاولات التكيف مع مجتمع الإقامة، وصولًا إلى العودة إلى الوطن وما قد يصاحبها من تحديات نفسية وثقافية.
وأوضح أن الصدمة الثقافية لا ترتبط فقط بالانتقال إلى مجتمع مختلف، وما يفرضه ذلك من ضرورة التكيف مع عادات وتقاليد جديدة، وإنما قد تمتد إلى علاقة المغترب بأسرته وبوطنه، نتيجة التغيرات التي تطرأ على حياته خلال سنوات الغربة.
وأشار إلى أن العودة إلى مصر بعد سنوات طويلة في الخارج قد تفرض بدورها تحديات جديدة، إذ يجد العائد نفسه أمام اختلافات في أسلوب الحياة والتعاملات الاجتماعية والتوقعات الشخصية، وهو ما يستدعي الاستعداد لهذه المرحلة وعدم افتراض أن العودة إلى الوطن تعني بالضرورة انتهاء جميع الصعوبات المرتبطة بالاغتراب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لدى الأسر التي استقرت لسنوات في الخارج، وأصبح الأبناء جزءًا من مجتمعات الإقامة، بما قد يجعل انتقالهم إلى مصر تجربة تحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي، خاصة إذا كانت خبراتهم السابقة وتصوراتهم عن الحياة في الوطن مختلفة عن الواقع الذي يواجهونه عند العودة.
الاستعداد النفسي والمرونة في مواجهة متغيرات الغربة
وأكد أستاذ الطب النفسي أهمية الاستعداد النفسي للتغيرات المصاحبة للاغتراب، والتحلي بالمرونة في التعامل مع الظروف الجديدة، سواء تعلقت بالحياة المهنية أو العلاقات الأسرية أو متطلبات الاستقرار في بلد الإقامة.
كما تناول أهمية وضع خطط بديلة للتعامل مع التغيرات التي قد تطرأ على ظروف العمل أو الإقامة أو الحياة الأسرية، بما يساعد المغتربين على الاستعداد للمتغيرات بدلًا من التعامل معها باعتبارها أزمات مفاجئة.
وتبرز هذه الاحتياجات في ظل تعدد المسؤوليات التي تتحملها الأسر المصرية بالخارج، خاصة مع الابتعاد عن الأهل والأقارب وشبكات الدعم التي اعتادت الاعتماد عليها داخل مصر، الأمر الذي يجعل التكيف مع الظروف الجديدة عملية مستمرة تتطلب قدرًا من المرونة والتفاهم بين أفراد الأسرة.
وتناول الحوار كذلك الضغوط النفسية المرتبطة بالشعور بالوحدة والقلق بشأن مستقبل العمل والإقامة، وهي موضوعات طرحها أبناء الجاليات المصرية المشاركون في اللقاء، إلى جانب الصعوبات التي تواجه بعض الأسر عند التفكير في العودة النهائية إلى مصر بعد سنوات من الاستقرار في الخارج.
كيف تحافظ الأسر المصرية بالخارج على هوية الأبناء؟
وشغلت قضية الهوية الوطنية والارتباط بمصر جانبًا مهمًا من الحوار، في ضوء التحديات التي تواجه الآباء والأمهات في نقل اللغة العربية والعادات والتقاليد المصرية إلى الأبناء، خاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث الذين نشأوا في مجتمعات تختلف في لغتها وثقافتها وأنماط الحياة السائدة فيها.
وتناول الدكتور عبد الناصر عمر دور الأسرة في تعزيز ارتباط الأبناء بوطنهم، إلى جانب دور المؤسسات الدينية، بما في ذلك المساجد والكنائس، في نقل اللغة والثقافة والعادات المصرية إلى الأجيال الجديدة، وترسيخ الصلة بالوطن الأم.
كما أكد أهمية تحقيق التوازن بين انفتاح الأبناء على مجتمعات الإقامة وقدرتهم على الاندماج فيها، وبين الحفاظ على القيم الأسرية والهوية المصرية، بما يساعدهم على تكوين شخصية متوازنة تجمع بين الانتماء إلى جذورهم الثقافية والتفاعل الإيجابي مع المجتمع الذي يعيشون فيه.
وفي هذا السياق، طُرحت أهمية تنظيم زيارات دورية إلى مصر، وإتاحة الفرصة للأبناء للتعرف على المجتمع المصري بصورة مباشرة، بدلًا من الاعتماد على الصور والتصورات التي تتكون لديهم من خلال الأسرة أو وسائل التواصل أو الزيارات المحدودة.
ويسهم الاحتكاك المباشر بالوطن في تعريف الأبناء بتفاصيل الحياة اليومية والثقافة والعلاقات الاجتماعية، كما يساعد الأسر على بناء توقعات أكثر واقعية بشأن الحياة في مصر، خاصة إذا اتخذت قرار العودة النهائية بعد سنوات من الإقامة بالخارج.
الأمهات وضغوط تربية الأبناء بعيدًا عن العائلة
وشهد اللقاء مداخلات من أبناء الجاليات المصرية في دول مختلفة، تناولت عددًا من التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأسر المغتربة، من بينها الشعور بالوحدة والضغط النفسي، والقلق الناتج عن تغير ظروف العمل والإقامة، وصعوبات اندماج الأبناء في المدارس والجامعات عند العودة إلى مصر.
كما سلطت المداخلات الضوء على الأعباء التي تتحملها بعض الأمهات في تربية الأبناء بعيدًا عن شبكة الدعم العائلي المعتادة، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات إضافية في متابعة التعليم والتنشئة والتعامل مع احتياجات الأبناء النفسية والاجتماعية.
وتطرقت المناقشات إلى الصعوبات التي قد تنشأ نتيجة اختلاف اللغة والعادات وأنماط الحياة بين الأجيال، وما قد يترتب عليها من شعور بعض الأبناء بتضارب الانتماء، خاصة عندما تتباين تصوراتهم عن المجتمع الذي نشأوا فيه وتصورات أسرهم عن الوطن الأصلي.
وعكست هذه المداخلات تنوع تجارب المصريين بالخارج، واختلاف التحديات التي تواجههم وفقًا لظروف الإقامة وطبيعة المجتمع المحيط، بما يبرز أهمية التعامل مع الصحة النفسية للأسرة المغتربة باعتبارها قضية تتداخل فيها الأبعاد الشخصية والاجتماعية والثقافية.
مقترحات لدعم الصحة النفسية للأسر المصرية بالخارج
وشهد اللقاء طرح عدد من المقترحات الرامية إلى تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للمصريين بالخارج، من بينها تنظيم مجموعات دعم عن بُعد تراعي طبيعة كل دولة واحتياجات الجالية المقيمة بها، والتوسع في عقد الصالونات الثقافية بصورة دورية، مع إمكانية تنظيم لقاءات حضورية في الدول التي تضم أعدادًا كبيرة من المصريين.
كما تضمنت المقترحات إعداد مواد توعوية موجزة تساعد الأسر على التعامل مع التحديات المرتبطة بمرحلة المراهقة والشعور بالوحدة، إلى جانب تقديم إرشادات عملية بشأن الاستعداد للعودة إلى مصر والتعامل مع الصعوبات التي قد تواجه الأبناء في الاندماج بالمجتمع والمؤسسات التعليمية.
وتبرز أهمية هذه المقترحات في إتاحة مساحات للحوار وتبادل الخبرات بين الأسر المصرية بالخارج، بما يساعد على التعرف على المشكلات المشتركة ومناقشة سبل التعامل معها، والاستفادة من خبرات المتخصصين في القضايا النفسية والاجتماعية المرتبطة بالاغتراب.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







