9.6 مليار دولار تجارة مصر مع أفريقيا.. هل يتحول التصدير إلى استثمار وتصنيع؟
لم تعد الأسواق الأفريقية مجرد وجهة أمام الصادرات المصرية، وإنما تتحول تدريجيًا إلى ساحة أوسع للاستثمار والتصنيع وبناء سلاسل قيمة مشتركة، في ظل ما تمتلكه القارة من موارد طبيعية ضخمة، وأسواق استهلاكية واسعة، وفرص نمو متزايدة في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
مع وصول حجم التبادل التجاري بين مصر والدول الأفريقية إلى نحو 9.6 مليار دولار خلال 2025، تتجه الأنظار إلى قدرة الشركات المصرية على الانتقال من نموذج تصدير المنتجات النهائية إلى إقامة مصانع وشراكات إنتاجية داخل القارة، بما يتيح الاستفادة من الخامات والموارد الأفريقية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتعزيز القيمة المضافة والتواجد الاقتصادي لمصر.
وفي هذا السياق، يبرز عدد من التحديات أمام هذا التوجه، على رأسها تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ومخاطر أسعار الصرف وتحويل الأرباح، وتباين النظم الضريبية والجمركية، فضلاً عن اختلاف بيئات الأعمال ومستويات البنية التحتية من دولة لأخرى.
أكد الدكتور حسين عبدالباقي، الخبير المالي والضريبي وأستاذ المحاسبة والضرائب، أن الأسواق الأفريقية تمثل أحد أهم المجالات الواعدة أمام الشركات المصرية خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول القارة تشهد تحولًا تدريجيًا من مجرد التبادل التجاري التقليدي إلى الشراكات الاستثمارية والتصنيع المشترك وبناء سلاسل قيمة إقليمية.
وقال عبدالباقي إن حجم التبادل التجاري بين مصر والدول الأفريقية بلغ نحو 9.6 مليار دولار خلال 2025، منها 7.6 مليار دولار صادرات مصرية مقابل نحو ملياري دولار واردات، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام تعكس وجود قاعدة تجارية يمكن البناء عليها، إلا أن الفرصة الأكبر تتمثل في انتقال الشركات المصرية من نموذج تصدير المنتجات النهائية إلى إقامة مصانع ومشروعات إنتاجية داخل الدول الأفريقية.
وأوضح أن إقامة مصانع مصرية في الأسواق الأفريقية تتيح الاستفادة من الموارد والخامات المتاحة بتكلفة تنافسية، والوصول إلى أسواق استهلاكية واسعة، فضلًا عن تعزيز الاستثمارات المصرية المباشرة ونقل الخبرات والمعرفة الفنية المصرية إلى الأسواق الأفريقية.
وأشار إلى أن قطاعات الصناعات الغذائية والدوائية والسيارات والحديد والصلب والزراعة والطاقة والإنشاءات والنقل تمثل مجالات واعدة أمام القطاع الخاص المصري، مؤكدًا أن تعزيز هذه الاستثمارات يتطلب تحسين شبكات النقل البري والبحري والجوي، وتطوير المراكز اللوجستية، إلى جانب توفير حوافز ضريبية وجمركية وتحسين مناخ الاستثمار في الدول الأفريقية.
وأضاف أن ضعف التجارة البينية داخل أفريقيا، التي تمثل نحو 18% من إجمالي تجارة القارة، مقابل حصة لا تتجاوز 1.5% من التجارة العالمية، يكشف عن وجود فجوة كبيرة في التكامل الاقتصادي والتصنيع والتجارة بين دول القارة، خاصة في ظل اقتصاد أفريقي يقدر بنحو 3.6 تريليون دولار وسوق يضم نحو خُمس سكان العالم.
وأكد عبدالباقي أن هذه الفجوة تمثل فرصة مهمة أمام مصر لزيادة صادراتها واستثماراتها المباشرة في أفريقيا، من خلال إنشاء مصانع مصرية وشراكات إنتاجية مع المستثمرين الأفارقة، خصوصًا في الصناعات الدوائية والغذائية والسيارات والاستثمار الزراعي، مع توزيع مراحل الإنتاج بين مصر والدول الأفريقية والاستفادة من اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وشدد على ضرورة تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، باعتبارها أداة مهمة لإزالة القيود أمام التجارة بين دول القارة وفتح سوق يضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك، بما يسمح للشركات المصرية بزيادة صادراتها وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الأفريقية، فضلًا عن بناء سلاسل توريد مشتركة بين مصر ودول القارة.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن الثروات المعدنية الضخمة التي تمتلكها أفريقيا تمثل فرصة إضافية للتعاون الصناعي، خاصة مع امتلاك القارة نحو 30% من الاحتياطيات العالمية من عدد من المعادن المهمة، بينها الكوبالت والليثيوم والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة والبلاتين والنحاس والمنجنيز والنيكل.
وأوضح أن التوجه الأفضل لا يتمثل في الاكتفاء بتصدير الخامات الأفريقية في صورتها الأولية، وإنما إقامة صناعات تحويلية بالقرب من مصادرها، بما يرفع القيمة المضافة ويخلق فرص عمل ويخفض تكاليف الإنتاج، مؤكدًا أن مصر تمتلك فرصة لبناء شراكات صناعية مع الدول الغنية بالمعادن، بالاستفادة من الخامات الأفريقية والقدرات التصنيعية المصرية.
وأضاف أن هذه الشراكات يمكن أن تمتد إلى الصناعات المعدنية والأسمدة والصناعات المرتبطة بالطاقة والسيارات والبطاريات، بما يحقق قيمة مضافة أكبر لكل من مصر والدول الأفريقية، ويؤسس لعلاقات اقتصادية تتجاوز استيراد المواد الأولية أو تصدير المنتجات النهائية.
وأكد عبدالباقي أهمية تعزيز التمويل الموجه للتجارة والاستثمار بين مصر وأفريقيا، وتحقيق التكامل بين الشركات المصرية ونظيرتها الأفريقية، وبناء سلاسل قيمة مشتركة، والتحول تدريجيًا نحو التصنيع المشترك، مشيرًا إلى أن أسواق شرق وغرب أفريقيا ودول حوض النيل والكوميسا تتمتع بفرص نمو مهمة في ظل التوسع في مشروعات البنية التحتية والتحول الرقمي والطلب المتزايد على المنتجات والخدمات المصرية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة النقل والخدمات اللوجستية يمثل أحد أبرز التحديات أمام زيادة التجارة والاستثمارات داخل القارة، وهو ما يجعل تطوير خطوط النقل البحري والبري والجوي والمراكز اللوجستية، إلى جانب تبسيط إجراءات التخليص الجمركي والتمويل والتأمين، عوامل أساسية لزيادة الحضور المصري في الأسواق الأفريقية.
وأوضح أن مصر تمتلك مزايا نسبية مهمة تؤهلها للقيام بدور مركز إقليمي للتصنيع وإعادة التصدير والتوزيع، مستفيدة من موقعها على البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس، وشبكة الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، بما يمكنها من الربط بين الأسواق الأفريقية والأوروبية والآسيوية.
وأكد أن زيادة الاستثمارات المصرية في أفريقيا يمكن أن تحقق أثرًا اقتصاديًا مزدوجًا، من خلال زيادة صادرات المعدات والآلات ومدخلات الإنتاج المصرية، إلى جانب تصدير الخدمات والخبرات المصرية، والاستفادة من توسع البنوك وشركات الشحن والخدمات الرقمية المصرية في دعم المشروعات والاستثمارات داخل القارة.
وضرب مثالًا بإمكانية إقامة مصانع مشتركة لتجميع السيارات أو الأجهزة المنزلية أو إنتاج الصناعات الغذائية والدوائية داخل الدول الأفريقية، على أن تعتمد هذه المصانع على جزء من المكونات والسلع الوسيطة المصنعة في مصر، بما يضمن استمرار الطلب على المنتجات المصرية، ويدعم توطين الصناعة المصرية في الأسواق الأفريقية، ويفتح فرصًا أمام الكوادر والخبرات المصرية للعمل داخل هذه الأسواق.
وفي المقابل، حذر عبدالباقي من أن الانتقال من التصدير إلى الاستثمار المباشر في أفريقيا يجب أن يسبقه تقييم شامل لمخاطر بيئة الأعمال في كل دولة، مؤكدًا أن طبيعة المخاطر تختلف من سوق إلى آخر.
وأوضح أن أبرز هذه المخاطر تشمل تحديات البنية التحتية واللوجستيات، وضعف شبكات النقل والمراكز اللوجستية، وعدم استقرار إمدادات الكهرباء والمياه في بعض الأسواق، بما قد يرفع تكاليف التشغيل ويؤثر على استمرارية الإنتاج.
وأضاف أن هناك كذلك مخاطر مالية ونقدية مرتبطة بتقلبات أسعار الصرف وقيود تحويل الأرباح وصعوبة الحصول على تمويل مرن، فضلًا عن ارتفاع تكلفة التأمين على الاستثمارات، إلى جانب مخاطر تنظيمية وقانونية تتعلق باختلاف المواصفات الفنية والقوانين الجمركية والضريبية وقوانين العمل، واشتراطات نسب المكون المحلي في بعض الدول.
وأشار إلى ضرورة دراسة مخاطر السوق والعمالة أيضًا، خاصة نقص العمالة الفنية المدربة في بعض الأسواق، وضعف المعلومات المتعلقة بطبيعة الأسواق وسلوك المستهلك، مؤكدًا أن نجاح الاستثمار المصري في أفريقيا يتطلب دراسة كل سوق بشكل منفصل وعدم التعامل مع القارة باعتبارها سوقًا واحدة متجانسة.
واختتم الدكتور حسين عبدالباقي بالتأكيد على أن أفريقيا يمكن أن تصبح أحد المحركات الرئيسية لنمو القطاع الخاص المصري خلال السنوات المقبلة، بشرط الانتقال من نموذج «التصدير إلى أفريقيا» إلى نموذج أكثر تكاملًا يقوم على التصنيع المشترك، والاستثمار المباشر، ونقل الخبرات، وبناء سلاسل القيمة، وربط القدرات الصناعية المصرية بالموارد والاحتياجات الأفريقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض






