سيرة وأثر
مصطفى المراغي.. شيخ الأزهر الذي دافع عن استقلال الفتوى وقاد مسيرة الإصلاح
يُعد الشيخ محمد مصطفى المراغي أحد أبرز رموز الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي الحديث، إذ تولى مشيخة الأزهر الشريف، وسعى إلى تطوير مناهجه التعليمية، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، وتقريب المذاهب الإسلامية، مع التمسك باستقلال الفتوى ورفض الضغوط السياسية.
نشأة الشيخ محمد مصطفى المراغي وتعليمه
وُلد الشيخ محمد مصطفى المراغي عام 1881 في بلدة المراغة بمحافظة سوهاج، والتحق بالأزهر الشريف بعد حفظ القرآن الكريم، وتتلمذ على أيدي كبار العلماء، وتأثر بأفكار الإمام محمد عبده في الإصلاح والتجديد. وحصل على الشهادة العالمية عام 1904، متصدرًا زملاءه.
مناصبه القضائية وتوليه مشيخة الأزهر
بدأ المراغي مسيرته القضائية في السودان عام 1904، وتولى منصب قاضي القضاة هناك، ثم عاد إلى مصر وتدرج في المناصب القضائية حتى أصبح رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية عام 1923.
وتولى مشيخة الأزهر للمرة الأولى عام 1928، لكنه استقال في العام التالي بسبب العقبات التي واجهت مشروعه الإصلاحي، قبل أن يعود إلى المنصب عام 1935، ويواصل جهوده حتى وفاته عام 1945.
جهود المراغي في إصلاح الأزهر
عمل الشيخ المراغي على تطوير التعليم الأزهري، وإعادة النظر في المناهج والقوانين، والاهتمام بالدراسات العليا والتخصصات العلمية، كما دعا إلى تحديث أساليب التعليم بما يحافظ على أصالة الأزهر ومكانته العلمية.
وشملت إصلاحاته تشكيل لجان لدراسة أوضاع الأزهر، وتطوير مراحل التعليم، وإنشاء تخصصات في علوم اللغة والشريعة وأصول الدين.
إصلاح الأحوال الشخصية وتجديد الفقه الإسلامي
كان المراغي من أبرز الداعين إلى الاجتهاد وعدم الجمود على مذهب فقهي واحد في القضايا التي تحتمل تعدد الآراء، مؤكدًا ضرورة مراعاة مصالح الناس وظروف الزمان والمكان، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية.
وساهمت جهوده في تطوير قوانين الأحوال الشخصية، من خلال الاستفادة من آراء المذاهب الفقهية المختلفة بما يحقق المصلحة العامة ويرفع الحرج عن الناس.
التقريب بين المذاهب الإسلامية
دعا المراغي إلى توحيد كلمة المسلمين وتقريب المذاهب الإسلامية، وشدد على أهمية التسامح والتيسير في الفتوى، كما سعى إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والدينية في العالم الإسلامي، رغم أن عددًا من مشروعاته في هذا المجال لم يرَ النور.
موقفه الشجاع في الدفاع عن استقلال الفتوى
من أشهر المواقف المنسوبة إلى الشيخ المراغي رفضه إصدار فتوى تحرم على الملكة فريدة الزواج بعد طلاقها من الملك فاروق، رغم الضغوط التي تعرض لها أثناء مرضه في مستشفى المواساة بالإسكندرية.
وتمسك المراغي بموقفه، مؤكدًا أنه لا يستطيع تحريم ما أحله الله، ليصبح هذا الموقف من أبرز الشواهد على دفاعه عن استقلال الفتوى وعدم إخضاعها لرغبات أصحاب السلطة.
كما عُرف بمواقفه الوطنية، ومنها اعتراضه على جر مصر إلى الحرب العالمية الثانية، وتحذيره من تبعات حرب لا مصلحة للمصريين فيها.
مؤلفات الشيخ محمد مصطفى المراغي
ترك المراغي عددًا من البحوث والمؤلفات في الفقه والتشريع واللغة وتفسير القرآن الكريم، من بينها بحث «الأولياء والمحجورون»، وتفسير جزء تبارك، وبحث في وجوب ترجمة القرآن الكريم، ورسالة «الزمالة الإنسانية»، إلى جانب دروس دينية ومقالات وخطب تناولت قضايا الإصلاح الديني والاجتماعي.
وفاة الشيخ المراغي وإرثه الفكري
توفي الشيخ محمد مصطفى المراغي عام 1945، بعد مسيرة حافلة بالعمل القضائي والإصلاح الديني والتعليمي. وظل اسمه حاضرًا باعتباره أحد أبرز شيوخ الأزهر الذين سعوا إلى الجمع بين التمسك بأصول الشريعة ومواكبة متغيرات المجتمع، مع الدفاع عن استقلال المؤسسة الدينية والفتوى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض