عبدالفتاح أبو كيلة يكتب: الدعاء كمحرك للقدر
إنَّ الدعاء سلاح المؤمن، فيه يُفرِّجُ اللهُ تعالى الهموم، ويكشفُ الكربات، ويُكفِّرُ السيئاتِ، ويرفع الدرجات، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا، يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يُسْأَلَ العَافِيَةَ» [أخرجه الترمذي في سننه، حديث رقم (3548)].
والدعاءُ عبادةٌ مستحبَّةٌ؛ فقد رُوِيَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثم تلا: ﴿قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] [أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (1479)].
والمسلمُ إذا دعا ربَّه فإنَّه يلجأُ إلى ركنٍ ركينٍ، وجانبٍ متينٍ، واللهُ تعالى لا يُخيِّبُ رجاءَ عبدِهِ به، فهو دائمًا معه، وعند حسنِ ظنِّهِ فيه. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» [أخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (2675)].
والدعاءُ سببٌ من أسبابِ دفعِ القدرِ المعلَّقِ، ولا يتعارضُ معه، بل هو جزءٌ من القدرِ نفسه؛ فاللهُ تعالى خلقَ كلَّ شيءٍ بقدرٍ، ولا تقعُ هذه الأشياءُ إلا على حسبِ ما قدَّرها اللهُ تعالى، وسبقَ بها علمُهُ، فلا يقعُ ضررٌ ولا غيرُهُ إلا بقدرِهِ تعالى. [شرح النووي على مسلم (14/174)].
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، وقال أيضًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].
والدعاءُ من جملةِ الأسبابِ التي لها تأثيرٌ في مسبَّباتِها؛ ولهذا قال العلماءُ: القضاءُ نوعان:
الأوَّلُ: قضاء مُبرَمٌ، لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، وهو علمُ اللهِ تعالى الأزليُّ.
الثاني: قضاءٌ معلَّقٌ، قد عُلِّقَ على سببٍ؛ فإذا وُجِدَ السببُ وقعَ المسبَّبُ، وإنْ لم يُوجَدْ لم يقعْ. ومن هنا نستطيعُ فهمَ حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» [أخرجه الترمذي في سننه، حديث رقم (2139)].
وقد جاءَ في مرقاةِ المفاتيحِ للملا علي القاري (8/3324): «الْقَضَاءُ قِسْمَانِ: مُبْرَمٌ وَمُعَلَّقٌ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فَلَا تَبْدِيلَ وَلَا تَغْيِيرَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، وَقِيلَ: عِنْدَ اللَّهِ كِتَابَانِ: اللَّوْحُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ، وَالَّذِي يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ عَلَى الْخَلْقِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ، فَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيث».
فالدعاء لا يرد إلا القضاء المعلق، وهو ما يكونُ مكتوبًا في صحفِ الملائكةِ فقط؛ كأنْ يكونَ فيها أنَّ فلانًا سيمرضُ، فيدعوَ بدعاءٍ أو يدعوَ له أحبّاؤُهُ، فيعافيهِ اللهُ تعالى فلا يمرضُ، وهكذا. وهذا ممكنٌ ولا مانعَ منه، وهو أيضًا من قدرِ اللهِ تعالى، كما دلَّ عليه الحديثُ الشريفُ، أمَّا ما في اللوحِ المحفوظِ فلا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ أبدًا؛ لسبقِ علمِهِ تعالى الأزليِّ.
بقلم الدكتور عبدالفتاح أبو كيلة أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض