رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

صابر جاب الله: حين يَبطؤُ الخطو يعلو المقامُ.. كيف ينظر الإسلام إلى كبار السِّن

صابر جاب الله - عضو
صابر جاب الله - عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكتروني

ثَمَّةَ مرحلةٌ من العمر يهدأ فيها الجسدُ بعد طول حركة، وتبطؤ الخُطى بعد سنواتٍ من السعي، ويضعف السمعُ أو البصرُ، وربما احتاج الإنسانُ إلى مَن يأخذ بيده بعدما قضى عمرَه يأخذ بأيدي الآخرين؛ وهنا يظهر معدنُ المجتمعات، وتظهر أخلاقُ الأبناء، ويظهر جمالُ هذا الدِّين الذي لا يزن قيمةَ الإنسان بقوَّته وإنتاجه، بل يحفظ له كرامتَه في جميع مراحل عمره، ويزداد حقُّه في الرعاية كلما ازدادت حاجتُه إليها.

إنَّ الإسلام لا يرى الشيخوخة عبئًا على الحياة، بل مرحلةً لها حرمتُها ومكانتُها؛ فهذا الذي يمشي اليوم ببطءٍ كان بالأمس يُسرع في قضاء حاجات غيره، وهذه اليدُ التي ترتعش ربما حملت طفلًا، وأطعمت أسرةً، وبَنَت بيتًا، وصنعت خيرًا كثيرًا. ولذلك لم يجعل الإسلامُ احترامَ الكبير مجاملةً اجتماعيةً، بل قال سيدُنا رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» رواه الإمام أبو داود رحمه الله.

وحين يكون المسنُّ أبًا أو أمًّا يبلغ التكريمُ ذروتَه؛ قال الله تعالى: ﵟ‌إِمَّا ‌يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤ﵞ [الإسراء: 23-24]. وتأمَّل قوله تعالى: ﵟ‌عِندَكَ ٱلۡكِبَرَﵞ؛ أي في دائرة عنايتك وقربك، لا على هامش حياتك. 
ولم يبدأ سبحانه بالطعام والدواء، بل قال ﵟفَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖﵞ؛ لأنَّ الكبير قد يحتمل قِلَّة المال، لكنه ينكسر من كلمةٍ تُشعره أنَّه أصبح عبئًا على مَن أفنى عمرَه من أجلهم.
والمسنُّ لا يحتاج إلى الدواء والطعام –فقط-، بل يحتاج إلى أن يشعر أنَّ وجوده ما زال مرغوبًا، وحديثه مسموعًا، ورأيه محترَمًا، وأن بطءَ حركته أو تكرار كلامه لا يجعله مادَّةً للضيق أو السخرية؛ وقد علَّمنا سيدُنا رسولُ الله ﷺ أنَّ توقير الكبير خُلُقٌ أصيلٌ في المجتمع المسلم، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا».
وليس توقيرُ المسنِّ أن نُلغي شخصيتَه أو نسلبه قرارَه باسم الرعاية؛ بل من الإحسان أن نحفظ استقلالَه ما استطاع، ونستشيرَه فيما يخصه، ولا نتحدث عنه في حضوره كأنَّه غائب؛ فالرحمةُ الحقيقية تحفظ الكرامة ولا تُصادرها.
وكم من مسنٍّ يجلس بين أهلِه وهو أشدُّ الناس وحدةً! الجميع حوله، لكنَّ أحدًا لا يجلس إليه؛ وهو لا يريد أكثر من دقائق يَسمع فيها صوتًا حنونًا يسأله عن حاله، ويصبر على حديثه وإن تكرَّر؛ فلا تجعل تكرارَ القصة يُنسيك أنَّه كان يسمع منك في طفولتك الكلامَ نفسه مرارًا ولم يملَّ!
والشيخوخةُ ليست قصةَ الآخرين؛ إنَّها -إن أطال الله الأعمار- مستقبلُ كل شاب؛ فلا تقل عن الكبير: «صار كثيرَ الطلب»، بل تذكَّر كم لبَّى من طلبات، ولا تقل: «صار بطيئًا»، فكم أسرع كثيرًا من أجلك، وحين يبطؤ خُطوُهم، فلنُبطئ قليلًا لنمشي معهم؛ فلعلَّهم أمضَوا أعمارَهم كلَّها يسرعون من أجلنا

بقلم صابر حسنى جاب الله عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية