رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكى لي صديقي الإعلامي عما أثار غيظه إذ ألقته قدماه للانتظار قليلا على أحد مقاعد مقهى عصري بمدينة"أكتوبر" لاحتساء كوب من الشاي وعلى غير عادته لم يحاول تغيير مجلسه نظراً لقربه من مجموعة شباب من الجنسين دون العشرين يتحادثون، لم يحاول صديقي التنصت لكن حوارهم طرق رأسه كمطرقةٍ؛فلقد قال أحدهم : إن مدينة أكتوبر سميت هكذا نظراً لكونها مسرحا لأحداث حرب أكتوبر.
فاعترضت إحداهن قائلة: إن حرب أكتوبر شهدت عبور الناس "بالبوتس Boats" هكذا نطقتها كعادة شباب اليوم في استخدام ظاهرة الفرانكو آراب...! ولسنا في سعةٍ لتوصيف تلك الظاهرة أخلل ثقافي؟أم عصرنة وانفتاحية؟!!فبادرها المتكلم ساخرا...وما المانع في أنهم عبروا النيل في"البوتسBoats"فقال آخر: لكنهم قالوا إن بعض أحداث المعركة دارت في السويس فأغلق المتكلم الأول الحوار قائلا: وما المانع من حدوثها من هنا لهناك..!! مما حدا بصديقي أن يغادر تاركاً كوبَ الشاي دون أن يكمله..!!

إننا أمام كارثةٍ بكل المقاييس أن يكون بين أبنائنا وتاريخ أمتهم عازلٌ سميكٌ يحول بينهم وبين معرفة الحد الأدني من تاريخهم القريب..أو التفاعل وقضايا الأمة المصيرية ...فمن الذي صنع ذلك العازل؟ ومن كرَّسه؟!!ومن قَصَر الوطنيةَ على تشجيع منتخبات الأقطار العربية وفقط؟!ويتبارى معلقو المباريات ومحللوها فيما بينهم وكذلك مخرجوها تركيزا على مَن رسموا أو رسمن علم الدولة هذه أو تلك على الوجوه..!!،وعلي تلك الأصوات الهادرة التي ترتج بسببها جنبات الاستاد..
من قَصَر الوطنية على تلك المظاهر ولم يفتح القوسين لتكون الوطنية في معرفة تاريخ أبطال الأمة ومعاركهم التي خاضوها وبذلوا الأرواح تصدياً لهذا العدو؟!ولم يفتح القوسين لتكون أجلُّ صور الوطنية في كل مؤسسات الدولة أداءً وتطويراً؟!!

1-( قالوا: مغالاةٌ، فقلتُ أريدُها/ فالأرضُ يعرجُ للسماءِ شهيدُها)(قالوا: مغالاةٌ،فقلتُ: ومن أنا/ إنْ لم أغامرْ شامخًا، وأريدُها)( قالوا: مغالاةٌ، فقلت: كما يرى/ قمحُ السنابل، والهجيرُ يزيدُها)
2-( قالوا مغالاةٌ، وأصبرُ ريثما/ ينساحُ من معنى الجهاد بريدُها)( قالوا: مغالاةٌ، وأشهد أنّ لي/ روحًا تجسّرَ في الحروبِ وعيدُها)(قالوا مغالاةٌ، أنا لم أجتهدْ/ إلا وقد بلغَ النصابَ عديدُها)

وتأبى قصيدة {مغالاة..!!} للشاعر المبدع"أحمد الخطيب"أن تغادر صفحات الرأس؛ 
إذ أنها تنطلق من منطقة يراها الآخرون تجاوزًا، لكن شاعرنا بديع الحرف يرى فيه الحدَّ الأدنى من الإرادة والفعل والكرامة وإعلان التحدِّي:«فقلتُ أريدها»؛ فالمغالاة هنا اختيارٌ وإرادةٌ ومغامرةٌ.. وكأنه يعلنها صريحةً إن كانت إرادة المجد والكرامة واستعادة الأرض السليبة مغالاةً من وجهة نظرهم؛فأنا عاشقٌ هذه المغالاةَ وأطرب لها ليلعب التكرار دوره؛ فهو ليس تكرارًا صوتيًا فقط، بل تكراراً كاشفاً؛ وكلُّ عودةٍ إلى «قالوا مغالاة» تكشف طبقة جديدة من المفارقة في بناء يغلب عليه البناء الدائري الأقرب إلى حركة الحلزون الذي يخرج بالمتلقي إلى مدى أوسع .... نعود إلى الكارثة ونشير بأصابع الاتهام إلى جهتين كانتا السبب الرئيسي لوجود ذلك العازل السميك؛إذ استمر ذلك عقودا من التصرفات اللامهنية...الجهة الأولى: واضعو مناهج اللغة العربية لكل الصفوف الدراسية إذ كيف يخلو كتاب القراءة ذو الموضوعات المتعددة من دروس بطولات جنودنا ضد العدو الصهيوني ومعاركه الشهيرة مثل «تبة الشجرة ، الفردان، جزيرة شدوان... وغيرها»بأسماء أبطالها الحقيقيين وصورهم ألا يدرك واضعو المناهج أن صراعَنا والعدو صراعٌ وجودي حتى قيام الساعة أليس هؤلاء الطلاب ذخيرة الأمة وعدتها وعتادها؟!! وكيف لا يكون كتاب القراءة ذو الموضوع الواحد « القصة المقررة » خادما لذلك الغرض، فتتيح السجلات العسكرية للروائيين المبدعين ما يمكن استخدامه في تأليف روايات لها أرضيتها الحقيقية المستمدة من الوقائع مع حبكة فنية مبدعة تحكي عن تفاصيل هؤلاء الأبطال بما فيها من مواقف ومنمنمات إنسانية ، وتجعل منهم قدوة لشبابنا بدلا مما نراه اليوم من الانشغال بالتقليد الأعمى الذي وصل إلى محاكاة تصفيف الشعر وارتداء الممزق من الثياب !!!
وتأتي الجهة الثانية مُحدَّدة في صُنَّاع الإعلام الذين شغلوا الجميع بكل تافهٍ ساقطٍ من برامج وأعمال درامية... أجل.. لقد قضينا على قطاع الإنتاج التلفزيوني المصري بفعْل فاعل ، والكل يعلم أن مسلسلا مثل"رأفت الهجان" كانت الشوارعُ تخلو من المارة وقت بثِّ حلقاته..!! ياسادة.... صراعنا والعدو الصهيوني لن ينتهي إلا بزواله واسترداد الأقصى وأرضنا المباركة...إن مما يُحزن القلب أن الأمة تُطعَن في أهم ثرواتها وهم شبابُها!!!

ليحمل الختام المفارقة التي تتهم ... فالذين وصفوا موقف الشاعر بالمغالاة هم الذين لم يسترجعوا شِبْرا من الأرض المحتلة ولم يضيفوا إلى الكرامة العربية رصيداً لينقلب الاتهام بـ «المغالاة»على أصحابه،وتصبح أصواتهم لا قيمة لها أقرب إلى الخفوت أو نقيق الضفادع كما وصفهم " أحمد الخطيب"،ناعياً عليهم البون الشاسع بين المظهر في طول العقال وفساد الجوهر والخلو من استحقاق السيادة

( قالوا مغالاةٌ، وفي نُزُل الردى/ قامت إلى أمرِ الأسودِ أسودُها)( قالوا مغالاةٌ، أَفِقْ من سكرةٍ/ السُّكرُ قلتُ بأن تضيعَ حدودُها)( قالوا مغالاةٌ، ولم يسترجعوا/ شبرًا من الأرضِ المسالِ وريدُها)( قالوا مغالاةٌ، ولم يستصلحوا/ زمنًا يُضافُ إلى الكرامةِ عودُها)( قالوا مغالاةٌ، وهم قد بايعوا/ نابَ العدوّ، وما ترجّل جودُها)( قالوا مغالاةٌ، وصار نقيقُهم/ملء الفضاءِ، وفي الرضا تهويدُها)( قالوا مغالاةٌ، وطال عقالُهم/ ما كلّ من لبِسَ العقالَ يسودُها)