في زحام الحياة اليومية، وتنافس البشر على تحقيق الغايات والوصول إلى القمم، تتكشف معادن الحقيقيين وتسقط أقنعة المتسلقين. إنها ظاهرة مؤلمة تكررت، وتجربة مريرة يمر بها الكثيرون: صنف من البشر لا يعرفونك إلا على خارطة مصالحهم، يتسللون إلى حياتك بلطف مزيف، ويستبسلون في إظهار المودة ما دام في طريقهم إليك حاجة تقضى، أو باب يرجون فتحه. فإذا ما بلغوا غايتهم، وتحقق مرادهم، ووطئت أقدامهم قمة المجد أو المصلحة، انقلبوا كأن لم يكونوا، وتنكّروا لكل يد بلغتهم، وتجاهلوك متخزين وراء جدران الجحود.
وهذه الشخصيات الاستغلالية أو "الوصليون" ليسوا مجهولين تماماً، بل تظهر عليهم علامات دالة لمن تملكه بصيرة نافذة وخبرة بالحياة؛ فهم يظهرون بشكل موسمي، لا يتذكرونك في الأفراح أو الأتراح البسيطة ولا يسألون عن حالك لذاتك، بل يظهرون فجأة بهالة من الاهتمام حين تضيق بهم السبل أو تقترب مصلحتهم. كما أنهم ينظرون إليك لا كإنسان له مشاعر وكيان، بل كأداة أو وسيلة عبور يجب تجاوزها بمجرد الوصول إلى المحطة الأخيرة. يبرعون في طمس الذاكرة ونسيان المعروف بسهولة مذهلة، ويبررون لأنفسهم جحودهم وكأن ما قدمته لهم كان حقاً مكتسباً لا يستحق الشكر. وتجد علاقتهم بك دائماً من طرف واحد؛ عطاء مستمر منك واستنزاف دائم منهم، وحين تنتهي مصلحتهم، يصبح التواصل معك عبئاً يتهربون منه.
ووراء هذا السلوك الجاحد عقليات ونفوس يعتريها الخلل، فنجد فقراً في الانتماء والوفاء لدى نفوس تعودت على أكل التعب الحاضر للآخرين دون عرق، ولا تعرف للعهد معياراً ولا للوفاء وزناً. كما تتحكم بهم الأنانية المطلقة حيث يدور العالم بالنسبة لهم حول محور واحد فقط هو "أنا ومصلحتي"، وكل البشر كائنات قابلة للاستنزاف في سبيل هذه الغاية، فضلاً عن معاناة المتسلق غالباً من شعور عميق بالعجز الذاتي يدفعه لاستغلال رصيد وقوة وسمعة الآخرين ليصل إلى ما لا يستطيع بلوغه بمفرده.
إن صدمة الخذلان من أشخاص قدّمت لهم الدعم لا تكمن في الخسارة المادية أو الزمنية، بل في انتهاك الثقة الإنسانية، مما يولد شعوراً بالمرارة والإحباط، ويطرح تساؤلات موجعة حول جدوى فعل الخير مع غير أهله. وقد تدفع هذه التجربة الإنسان الطيب إلى التخندق خلف جدران الحذر الشديد، مما يفقده جزءاً من عفويته وقدرته على الانفتاح الصادق على الآخرين، خوفاً من تكرار الأذى.
والتعامل مع هؤلاء لا يكون بالانتقام ولا بكثرة العتاب، بل بالوعي والتعالي من خلال الفرز الواعي وجعل لعلاقاتك حدوداً واختبار صدق النوايا قبل فتح خزائن وقتك وجهدك ومعارفك لمن لا يستحق. وبمجرد اكتشاف حقيقة استغلالهم لوقتك وطاقتك، ينبغي إغلاق الباب فوراً وعدم معاونتهم على جحودهم أو تقديم الخدمة لمن لا يقدر قيمتها الإنسانية، مع توجيه طاقتك ومشاعرك نحو الناس الحقيقيين، أولئك الذين يقدرونك لذاتك ويسندونك حين تبتليك الحياة لا حين يبتلون هم بحاجة.
إن الذين يصعدون على أكتاف الآخرين قد يصلون قممهم المؤقتة، لكنهم يبقون صغاراً في عيون أنفسهم أولاً وفي أعين الناس ثانياً. أما أنت، فبقاؤك في نقائك، ومحافظتك على نبل أصلك، وحرصك على مساعدة من يستحق، هي القمة التي لا يطالها الجاحدون. عش كريماً، واعلم أن الأيام تفرز الغث من السمين، وأن من يزرع طيباً سيبقى أثره، ومن يزرع جحوداً سيحصد وحده فراغ النهايات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض