رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يوم في حياة أستاذ جامعي من غزة..محاضرات من الخيمة وماء بالكاد يكفي

أستاذ جامعي بغزة
أستاذ جامعي بغزة

جلس محمود سيدام أمام الدرجة التي يستخدمها كطاولة، ثم فتح حاسوبه المحمول استعدادًا لإلقاء محاضرته عبر الإنترنت حول هندسة المتاحف. وأخرج هاتفه وسأل في مجموعة الطلاب: «هل محمد هو الوحيد هنا؟»، بعدما انضم طالبان فقط إلى المحاضرة.

وبحسب الجارديان البريطانية، قرر محمود الانتظار قليلًا لإتاحة الفرصة لبقية الطلاب للانضمام، قبل أن يقدم لهم عرضًا تمهيديًا حول تصميم المتاحف، طالبًا منهم تخيل المتحف بوصفه «عسلًا في كأس»، في محاولة لتبسيط الفكرة وشرح طبيعة المساحة الداخلية التي يمكن أن تتحول إلى عنصر جاذب للزوار.

وانقطع الاتصال بالإنترنت خلال المحاضرة، فتوقفت المحاضرة مؤقتًا، بينما تعامل محمود مع الموقف بهدوئه المعتاد، وسجل رسالة صوتية لطلابه قال فيها: «مرحبًا جميعًا، يبدو أن هناك مشكلة في الإنترنت، لذلك سأسجل المحاضرة، وأرفعها على موقع يوتيوب، وأرسل لكم الرابط».

ويعمل محمود رئيسًا لقسم العلوم الهندسية والفنون التطبيقية في كلية العلوم والتكنولوجيا بجامعة خان يونس، كما يحاضر في جامعة الأقصى، ويقول إن مثل هذه الأعطال أصبحت جزءًا معتادًا من يومه في ظل ظروف الحياة داخل الخيام.

الفجر يبدأ بالقلق وانتظار يوم جديد

استيقظ محمود مع الفجر، بعدما وصف النوم بأنه واحد من أصعب تفاصيل الحياة داخل الخيمة، حيث لا توفر له ظروف النزوح شعورًا بالاستقرار أو الخصوصية، بينما يستمر القلق من الطوارئ والنزوح مرة أخرى.

وقال إن عائلته نزحت أكثر من 15 مرة، وانتقلت في كل مرة من مكان غير مريح وغير مستقر إلى مكان أسوأ، واضطرت أحيانًا إلى ترك ممتلكاتها لإنقاذ حياتها، كما نام أفراد منها ثلاث أو أربع ليالٍ في الشارع وعلى الأرصفة.

وأدى القلق المتواصل إلى تغيير تفاصيل بداية يومه، إذ يصلي عند الفجر ثم يتفقد هاتفه، ويعد فنجانًا من القهوة، ويجلس خارج الخيمة للرد على رسائل الطلاب والزملاء التي وصلته خلال الليل.

واحتفظ محمود بجزء من شحن بطارية هاتفه لهذه المهمة، واعتمد على الرسائل الصوتية في كثير من الأحيان لأنها أسهل بالنسبة إليه من الكتابة، قبل أن ينتقل إلى بقية المهام اليومية.

المياه تأتي في مقدمة مهام الصباح

اتجه محمود في الصباح حاملاً وعاءً بلاستيكيًا إلى المكان الذي تتوقف عنده شاحنة المياه، وشاركه أحيانًا أبناؤه في هذه المهمة، وهم ثلاثة أبناء وابنة يدرسون الهندسة والتمريض وعلوم الحاسوب.

وعاد بالمياه إلى الخيمة، ثم صبها في خزان الأسرة وفي عدد من الدلاء مختلفة الأحجام والألوان، موضحًا أن الأسرة تستخدمها لتخزين المياه اللازمة للاستهلاك اليومي لأطول فترة ممكنة.

وقال محمود إن الخزان لا تتجاوز سعته 200 لتر، ولا توجد لدى الأسرة خزانات أخرى بعدما دُمرت جميعها عندما تعرض منزلها للقصف، مشيرًا إلى أن المياه لا تصل إليهم بصورة يومية.

وتداخلت مهمة توفير المياه مع صعوبات أخرى فرضها النزوح، من بينها الحاجة المستمرة إلى إصلاح الخيمة ومحاولة شحن الهاتف والحاسوب المحمول حتى يتمكن من مواصلة عمله الأكاديمي.

الطعام يصبح مهمة ثانوية أمام العمل

تناول محمود وأسرته وجباتهم بصورة غير منتظمة، إذ تتوافر لديهم أحيانًا كمية من الدقيق يستخدمونها في إعداد الخبز داخل الخيمة، لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى سرعة تلفه.

وأوضح أن بعض الأيام تمر من دون فطور، وأن انغماسه في العمل يجعله ينسى تناول الطعام أحيانًا، في وقت تتراجع فيه الأولويات اليومية أمام محاولة توفير أساسيات الحياة وإنجاز ما يستطيع من مهام.

الطاقة الشمسية تعوض انقطاع الكهرباء

استعد محمود لمحاضرته التالية بعدما وصل حاسوبه المحمول بموزع الكهرباء، لكن التيار انقطع قبل أن يبدأ التسجيل، الأمر الذي دفعه إلى اللجوء إلى نظام الطاقة الشمسية الذي تعلم أساسيات التعامل معه لمواجهة الأعطال المتكررة.

وصعد على كرسي بلاستيكي ونظف الغبار المتراكم على الألواح الشمسية المثبتة أعلى الخيمة، ثم استخدم النظام لتشغيل أجهزته وتسجيل محاضرة تصميم المتاحف.

وسجل المحاضرة قبل أن يستعد للانتقال إلى المقر المؤقت لكلية العلوم والتكنولوجيا في مكاتب منظمة «علماء بلا حدود»، بعدما أصبحت بعض المهام الأكاديمية والإدارية تتطلب حضورًا شخصيًا رغم صعوبة الوصول.

الطريق إلى العمل يستغرق ساعة كاملة

غادر محمود الخيمة متجهًا إلى مقر عمله، وقال إن المسافة التي تبلغ نحو 6 كيلومترات كانت تُقطع غالبًا سيرًا على الأقدام بسبب صعوبة المواصلات ووعورة الطرق وانتشار الخيام والعربات في المساحات المحيطة.

واستقل في ذلك اليوم عربة تجرها سيارة قديمة، من النوع الذي كان يُستخدم عادةً لجر العربات بواسطة الخيول أو الحمير، ثم انتقل إلى «توك توك» متهالك، واستغرقت الرحلة نحو ساعة كاملة.

وقال إن الاستمرار في العمل وسط هذه الظروف يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر، لكنه يرى أن الأمر شديد الصعوبة ما دامت الاحتياجات الأساسية للحياة غير متوافرة، مؤكدًا أن الناس لا يملكون في كثير من الأحيان الحد الأدنى من مقومات الحياة.

التعليم العملي يواجه نقص الأدوات والمنشآت

أشار محمود إلى أن الجانب العملي والتطبيقي في التعليم أصبح من أصعب جوانب العملية التعليمية، بعدما تحولت غالبية الجلسات إلى النظام الإلكتروني، بينما اختفت أو أصبحت صعبة المنال معظم الأدوات والمواد الأساسية اللازمة للتدريب العملي.

وأضاف أن الجامعات كانت، منذ المراحل الأولى للحرب، ضمن المواقع التي تعرضت للاستهداف، موضحًا أن الجامعة بالنسبة إليه تمثل مساحة تجمع الطاقات والمواهب المستقبلية بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.

وتذكر واقعة نزوح عائلته إلى منطقة بين رفح وخان يونس، حيث كانت جامعته تظهر من بعيد، وقال إنه شاهد بنفسه الغارات التي استهدفت مباني الجامعة ومنشآتها.

وأوضح أن مقطع فيديو ظهر بعد انهيار وقف إطلاق النار أظهر هدم جميع مباني الجامعة وتسوية الموقع بالأرض، مشيرًا إلى أن استمرار العملية التعليمية أصبح مرتبطًا بالقدرة على الصمود والتكيف مع الظروف.

وأكد محمود أنه، رغم كل هذه الصعوبات، سيواصل العمل قدر الإمكان، متمسكًا بما وصفه بالصبر والمثابرة.

المساء يجمع العائلة والطلاب

استعاد محمود في المساء صورًا من حياته قبل الحرب، عندما كان يستطيع اصطحاب أسرته إلى أحد المطاعم، كما كان اهتمامه بعمله كمهندس معماري يشمل زيارة المواقع الأثرية والتراثية وبعض المتاجر التي تبيع التحف.

وقال إن هذه التفاصيل اختفت من حياته اليومية، وإن الوقت أصبح مخصصًا بالكاد لتوفير الضروريات الأساسية، بينما تسير الأيام بصورة متشابهة وكأن الحياة تحولت إلى سلسلة متكررة من المهام.

وزار والديه وشقيقيه المقيمين في خيام قريبة من مكان وجوده، إذ لا تبعد عن خيمته سوى نحو عشر دقائق سيرًا على الأقدام، موضحًا أن والديه تأثرا بشدة بالحرب والأمراض وكبر السن، ما جعل الاطمئنان عليهما مسؤولية يومية بالنسبة إليه.

وعاد إلى خيمته بعد ذلك، وجلس أحيانًا خارجها للحديث مع الآخرين والتقاط أنفاسه بعد يوم طويل، قبل أن يستأنف التواصل مع طلابه وزملائه حتى موعد النوم.

وانتهى يوم محمود بالطريقة التي بدأ بها تقريبًا، بين متابعة الرسائل، وإنجاز المهام الأكاديمية، ومحاولة تدبير الاحتياجات الأساسية، في حياة يقول إن تفاصيلها أصبحت تدور بالكامل حول ما يجب إنجازه من لحظة الاستيقاظ حتى الخلود إلى النوم.