في كنيسة القديس بولس بالعبور
براءة الطفولة تحتضن كلمات البابا تواضروس عن "علامة الحب الكامل للصليب"
لم تكن زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، إلى كنيسة القديس بولس الرسول بمدينة العبور، مساء أمس الأربعاء، مجرد لقاء رعوي أو عظة أسبوعية، فقبل أن يصعد إلى الكنيسة الرئيسية ليتحدث عن الصليب والحب، كان على موعد مع أكثر من 500 طفل، حملوا الورد والشموع واستقبلوه بالترانيم والفرح.

في الطابق الأرضي، اصطف الأطفال على جانبي الطريق المؤدي إلى كنيسة السيدة العذراء، يرددون ترنيمة "نوري يا كنيسة المسيح"، بينما شاركهم البابا تواضروس الترانيم، في مشهد بدأ فيه اللقاء أقرب إلى مساحة من الفرح بين أب وأبنائه، قبل أن يتحول بعد دقائق إلى درس عملي في معني المحبة.
لم يكتفِ قداسة البابا بالاستماع إلى ترانيم الأطفال، بل جلس معهم في حوار بسيط حمل ملامح اللقاء الروحي والإنساني في آن واحد، فتكلم عن عيد النيروز، وأسماء الشهور القبطية، ومعنى اسم بولس الرسول وعدد رسائله، واسم أول وآخر رسالة له في الكتاب المقدس.
وجاءت إجابات الأطفال صحيحة، فشجعهم البابا وأثنى عليهم، بينما ظل الفرح حاضرًا في المكان مع ترانيم "عروس الفادي"و"كنيستي كنيستي"، ولحن "هيتن إبريسفيا"، في أجواء احتفالية امتزج فيها عيد النيروز بفرحة الأطفال بلقاء البابا.

وكان هذا اللقاء مع الأطفال مقدمة مختلفة لعظة البابا الأسبوعية، التي استكمل خلالها سلسلة "القوانين الروحية للحياة"، موقفًا عند "قانون الصليب.. علامة الحب الكامل"، مؤكدًا أن الصليب لم يكن مجرد علامة نراها أو نرسمها، لكنه كشف علميًا عن معني المحبة التي يبذل فيها الإنسان نفسه من أجل الأخر.
ومن على الصليب، قدم المسيح بحسب شرح البابا سبع صور للحب، يمكن أن تتحول من أحداث الإنجيل إلى ملامح في حياة الإنسان اليومية، مثل الغفران، قبول الآخر، والوفاء، واحتمال الألم، والاحتياج والاتضاع، وتكميل العمل، وأخيرًا الخلاص والطمأنينة.
بدأ البابا بـ"الغفران" مستشهدًا بصلاة المسيح من أجل صالبيه:" يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" من مزمور (لو ٢٣: ٣٤)، موضحًا أن الإنسان يحمل حب الصليب عندما تكون لديه القدرة على مسامحة الآخر، ثم توقف عند قبول الآخر، مستشهدًا باللص اليمين الذي طلب أن يذكره المسيح في ملكوته، ليشير إلى أن المحبة تفتح مكانًا للآخر، حتى إن كان غريبًا، وهو ما يظهر أيضًا في اهتمام الكنيسة ببيوت الضيافة خدمة للمحتاجين.
أما الصورة الثالثة فكانت "الوفاء" في موقف المسيح تجاه أمه وتلميذه يوحنا، مؤكدًا أن حب الصليب يظهر في وفاء الإنسان لأسرته ومجتمعه وكنيسته وخدمته، وانتقل البابا تواضروس إلى "احتمال الألم" موضحًا أن الصليب يعلِّم الإنسان أن يحتمل الألم الحياة المختلفة، سواء كانت جسدية أو نفسية أو داخلية مستشهدًا بجهاد القديسة مونيكا وصلاتها من أجل زوجها وابنها القديس أغسطينوس.

ومن "أنا عطشان" انتقل إلى صورة للحب هي الاحتياج والاتضاع، موضحًا أن إعلان الإنسان احتياجه إلى الآخر ليس ضعيفًا، بل داخله معنى الاتضاع وقبول المشاركة.
ثم جاءت عبارة "قد أكمل" لتكشف، بحسب شرح البابا، عن معنى آخر للمحبة، وهو تكميل العمل فالإنسان يقدم حب الصليب عندما يتمم عمله وخدمته بأمانة، مهما بدا هذا العمل صغيرًا، أما الصورة السابعة فكانت الخلاص والطمأنينة، في قول المسيح "«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي»" من مزمور (لو ٢٣: ٤٦)، مؤكدًا أن الحب يظهر أيضًا في أن يكون الإنسان مصدر طمأنينة وخلاص للآخر.
وبينما كان البابا يتحدث عن الحب الذي يظهر على الصليب، كان مشهد الأطفال قبل العظة يمثل صورة أخرى لهذا الحب، أطفال جاءوا ليستقبلوا أبيهم بالترانيم والورد، أب يحرص على أن يقترب منهم ويسألهم ويستمع إلى إجاباتهم ويشجعهم.

وهكذا امتدت رسالة اللقاء من الطابق الأرضي، حيث كان الأطفال يرددون الترانيم، إلى الكنيسة الرئيسية، حيث تحدث البابا عن الصليب ليتمحور اللقاء حول تفاصيل صغيرة قبل كلمات العظة، مساحة واحدة لمعنى المحبة التي لا تكتفي بالكلام، وإنما تظهر في الغفران والقبول والوفاء والاحتمال والاتضاع وإتمام المسؤولية، وفي أن يكون الإنسان مصدر سلام لمن حوله.
وكان قداسة البابا قد صلى صلوات العشية بمشاركة الآباء المطارنة والأساقفة وكهنة كنائس العبور وكورس الشمامسة بالكنيسة وأعداد كبيرة من الأقباط، فضلًا عن حضور الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح محافظ القليوبية وقيادات المحافظة.

وقبل بدء العظة، أعرب البابا عن سعادته بزيارة الكنيسة التي سبق أن زارها ودشنها قبل 12 عامًا، مشيرًا إلى أنها كانت أول كنيسة تؤسس في مدينة العبور، ثم توالت بعدها الكنائس مع اتساع المدينة ونموها وظهور مدينة العبور الجديدة.
وشرح قداسته أن علامة الصليب في تكوينها الرباعي موجودة في كل الخليقة والحياة منذ البداية، كالتالي: اتجاهات الأرض أربعة، والمخلوقات على الأرض أربعة "الجماد والنبات والحيوان والإنسان"، وفصول السنة أربعة، والإنسان مكوّن من الجسد والروح والنفس والعقل، والأسرة في الفكر المسيحي مكوّنة من: المسيح، والزوج، والزوجة، والثمر (أبناء أو خدمات)، كما تحدث عن مكونات الكنيسة من الأسقف والكاهن والشماس والشعب، والبشائر أربعة، وفي السماء الأربعة حيوانات غير المتجسدين، والسيد المسيح تجسد في الشهر الرابع "كيهك".


وتأتي عظة هذا الأسبوع في إطار سلسلة "قوانين روحية للحياة" بالتزامن مع فترة الاستعداد للاحتفال بذكرى اكتشاف خشبة الصليب، الذي تحتفل به الكنيسة القبطية ثلاث مرات خلال العام، من بينها عيد الصليب في 17 توت، و10 برمهات، إلى جانب جمعة الصلبوت "الجمعة العظيمة"، لافتًا إلى أن الاحتفال هذا العام يتزامن مع مرور سبعة عشر قرنًا على اكتشاف خشبة الصليب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض