ما لم تقله السيرة الذاتية.. أسرار المبدعين بين الاعتراف والصمت
بعد 36 عامًا على رحيله.. ماذا أخفى لويس عوض في سيرته
الأب والساطور والعقم.. أسرار عائلية خرجت من «أوراق العمر»
أحمد أمين.. سيرة توقفت عند حدود الاعتراف
بنت الشاطئ.. طفلة أرادت المدرسة فكان البيت أول حواجزها
رضوى عاشور.. ثلاثون عامًا بين التجربة والكتابة
حين سئلت ذات حوار صحفي أجري معي، عما يمكنني تدوينه إذا ما انتويت يوما كتابة سيرتي الذاتية، قلت إنني سأنتقي لحظات الفرح والانتصار، وأتجنب كل ما مر بي من ألم أو حزن، وسأدفن لحظات الانكسار خلف السطور، حتى لا يبقى مني سوى سعادة خالصة... ربما قلتها يومها ببساطة، دون أن أنتبه إلى أنني وضعت يدي من حيث لا أقصد على واحدة من أكثر مناطق السيرة الذاتية التباسًا، وهي: ماذا نختار حين نكتب أنفسنا؟ وماذا نترك في الظل؟ وهل ما نحذفه من حكايتنا يختفي فعلًا، أم يظل حاضرًا بطريقة أخرى، في تلك المساحات التي تفصل بين ما نقوله وما نقرر الصمت عنه؟
هل يستطيع أحدنا أن يكون شفافًا إلى هذا الحد، وأن يفتح كل الأدراج المغلقة في حياته، ويخرج منها حتى ما يؤلمه أو يخجله أو يناقض الصورة التي "رسمها" لنفسه؟ أم أنه سيتمسك بارتداء "البرسونا" أو قناع الصورة الاجتماعية مثلما أطلق عليه يونج؟
لكننا حين نتصور أن السيرة الذاتية هي الحياة نفسها نكون مخطئين؛ ذلك أنها حياة مكتوبة، والحياة عندما تدخل الكتابة لا تعود هي الحياة الأولى تمامًا، فدائما هناك شيء يتغير، والإنسان بطبيعته يميل لأن يكون جميلًا في عين الآخر، ينتقي فضائله ويبرر أخطاءه، يمنح نفسه الأعذار التي قد لا يمنحها لغيره، وقد يرفع في حديثه راية ما لا يطبقه في حياته، فقد يكون أكثر الناس حديثًا عن الفضيلة إنسانًا يخفي في حياته ما يناقضها، أو يفسر المبادئ وفق ما يلائم هواه ومصلحته، أو يرتدي أمام الآخرين قناعًا شديد الإتقان حتى يكاد ينسى هو نفسه الوجه الذي أخفاه وراءه.
لهذا يصبح المسكوت عنه في السيرة الذاتية جديرًا بالانتباه بقدر ما يستحقه المكتوب، على أن سؤالا يفرض نفسه هنا:
هل كل ما يُعرف ينبغي أن يُقال؟ وهل كل حقيقة تستحق أن تظهر؟ ربما لا، فطبقا لقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم»، فإن في الحياة أشياء يكون الصمت عنها أحيانًا أرحم من كشفها، وأشياء لا يصبح ظهورها فضيلة لمجرد أنها حقيقة، فليست كل الأبواب المغلقة مطالبة بأن تُفتح، وليست كل الأسرار حقًا مباحًا للفضول.
ومع ذلك، هناك من اختاروا أن يفتحوا بعض تلك الأبواب.
كتبوا عن أنفسهم وعن عائلاتهم وعن علاقاتهم ومخاوفهم، وتركوا في كتبهم ما كان يمكن أن يظل مخفيًا، وحين خرج المسكوت عنه إلى النور، لم يكن استقبال القارئ له دائمًا هادئًا، ولم يكن ثمن البوح قليلًا.
وفي سير أخرى، قد لا يقول الكاتب المسكوت عنه صراحة، لكننا نلمحه في الفراغات، في التردد، في حادثة عابرة، في اسم لم يعد إليه، في شخصية حضرت ثم اختفت، في جملة بدت عابرة لكنها ربما كانت أثقل مما تبدو عليه، هنا تصبح قراءة السيرة الذاتية قراءة في الكلام والصمت معًا.
وفي التقرير التالي، نتوقف أمام عدد من السير الذاتية لنبحث في تلك المنطقة المعلقة بين ما كُتب وما لم يكتب، فربما كانت السيرة الذاتية، في النهاية، ليست فقط ما يقوله الإنسان عن نفسه، بل ما يصمت عنه حين يتحدث عن نفسه.

• لويس عوض.. «أنا» التي لم تستطع أن تحكي وحدها
في «أوراق العمر.. سنوات التكوين»، الصادر عام 1989، فتح لويس عوض أبوابًا فضل كثيرون أن تبقى مغلقة، ومنذ فصل «فولكلور العائلة» يجعل أسرته جزءًا من تفسير تكوينه، فيكتب: «انطباعي العام أننا أسرة مفككة»، ويرسم بورتريهات لأشقائه وشقيقاته، كاشفًا اختلافاتهم ومصائرهم وعلاقاتهم؛ فيذكر أن مادلين اعتنقت الإسلام وتزوجت مسلمًا، وأنه كان الوحيد بين إخوته الذي لم يقاطعها، وهنا يظهر الدين من داخل الأسرة، فبيته، بحسب روايته، كان حساسًا تجاه التزمت والكهنوت، ومنفتحًا في الوقت نفسه على المسلمين، حتى التربية الدينية تركت أثرها في ذاكرته؛ فقد تحدث عن قسوتها في مدرسة «الفريد» بالمنيا، وفي المقابل روى أنه كان يحفظ نماذج من القرآن «لا باعتباره كتابًا دينيًا ولكن باعتباره كتابًا أدبيًا»، وهو ما أسهم في تقوية إحساسه بالعربية.
ومن هنا تصبح «أوراق العمر» أوسع من اعترافات عائلية؛ فهي محاولة لرسم جذور عقلانيته وعلاقته بالدين واللغة والثقافة، وتفسير الطريق الذي قاده إلى الفكر النقدي والعقلاني.

ويتضح ذلك في حديثه عن «العمالقة الثلاثة»: العقاد وطه حسين وسلامة موسى، الذين يلخص أثرهم بقوله: «إن الذي حرث أرض فكري هو العقاد، وإن الذي بذر فيها البذور هو سلامة موسى، أما الذي سقى نبتها وشذبها تشذيبًا فهو طه حسين»، إلا أنه لا يكتفي بتسجيل فضلهم؛ فيروي كيف دخل عالمهم شابًا، وكيف شعر، بعد لقائه بالعقاد وطه حسين، أنه «ينتمي بحق إلى هذا النادي الأدبي الرفيع»، ومع ذلك، يحتفظ بإعجابه ويحتفظ أيضًا بحقه في نقدهم، فيظهر جانب آخر من المسكوت عنه، وهو أن يكشف الكاتب هشاشة علاقته بمن يعترف بتأثيرهم فيه.
والأمر نفسه يفعله مع ذاته؛ فنراه يقول: «أحيانًا أمارس غطرستي الفكرية مع الخائفين من المعرفة وأعداء ما جهلوا»، فهو هنا لا يقدم نفسه في صورة الكاتب المتواضع الذي أعاد ماضيه بعد استقرار مجده، بل كشخصية صدامية، واعية بما فيها من غرور أو استعلاء، وكأنه شاهد وخصم لنفسه في آن.
ويعود هذا الصدام إلى علاقته بأبيه؛ بينما يسجل واقعة أكثر قسوة، حيث أبوه، وهو في حالة سكر وانفعال، هدد أمه بساطور، فتدخل الابن، ثم توقف أمام التحول الذي أحدثته الخمر في شخصية رجل يراه هادئًا في الأصل.
وتزداد جرأة السيرة في حديثها عن نفسه وأخيه رمسيس: «فأنا وأخي رمسيس عقيمان»، ويتحدث عن حالات أخرى في العائلة، وأهمية هذه المعلومة، في رأيي، ليست في كونها «سرًا» فقط، بل في أن صاحب السيرة وضع مسألة شديدة الخصوصية على الورق، والأمر نفسه نراه في بورتريه شاكر وحالته العقلية، ومرجريت التي انتهت إلى دار للمسنين، ومادلين وزواجها من مسلم، ثم فيكتور ورمسيس؛ بما يؤكد أن السيرة عند لويس ليست مساحة لتجميل الذاكرة العائلية.
لكن العلاقة الأكثر حساسية هي علاقته برمسيس؛ فهو يعترف بأنه كان أستاذًا لأخيه الأكبر منه، وأن رمسيس كان يقيم لديه ويسأله في العلم، ويروي مواقف تعمد فيها ألا يمنحه معاملة خاصة، ثم يفسر العلاقة بأن رمسيس كان يشعر بالغيرة منه بسبب الفارق في التأثير الثقافي، وهنا تتحول السيرة من «أنا» إلى «نحن»؛ فالكاتب لا يستطيع رواية حياته دون الآخرين، لكن الآخرين لا يملكون بالضرورة الرواية نفسها؛ لذلك اعترض رمسيس لاحقًا على ما كتبه شقيقه، معتبرًا أنه لم يكن موفقًا في «التشهير بعائلته».
ولا تقف السيرة عند العائلة؛ فهي تفتح على السياسة والفكر أيضًا، لكن هنا يجب الانتباه إلى حدود «سنوات التكوين»؛ فهي ليست السيرة السياسية الكاملة، فالمصادر تشير إلى أن محنته مع الناصرية واحتكاكه اللاحق بالتيار الإسلامي لم يحصلا على المساحة المتوقعة، وهو ما يجعل «المسكوت عنه» أكثر تعقيدًا: هل الصمت اختيار، أم لأن المشروع نفسه لم يصل إلى تلك المرحلة؟
والأمر ذاته في صداماته الفكرية والدينية اللاحقة، ومنها قضية «فقه اللغة العربية»، الأمر الذي يؤكد أن الصمت ليس دائمًا قرارًا من الكاتب؛ أحيانًا يكون لأن الكتاب انتهى قبل أن يصل إلى المرحلة التي نبحث عنها، فـ«أوراق العمر»، صدر عام 1989، وتشير المصادر إلى أن لويس بدأ كتابته قبل ذلك بسنوات وظل عاكفا عليه حتى منتصف الثمانينيات.
وهنا نلحظ أمرا مهما، فلويس عوض شديد الإفصاح، لكنه لم يقل كل شيء، كشف أسرته وأباه وإخوته وجسده ودينه وتكوينه الفكري، لكنه ترك مراحل كاملة من حياته وأزماته الفكرية والسياسية اللاحقة خارج هذا الجزء من سيرته، وبعض ما كشفه لم يتعلق به وحده، فدخلت السيرة في صراع مع من كتب عنهم، وبعد وفاته في سبتمبر عام 1990، نقلت الصحافة أن رمسيس عوض اعترض على إعادة نشر «أوراق العمر» بسبب ما ورد فيها عن الأسرة، وأن تدخلًا حدث لمنع إعادة نشرها.
وربما هنا تكمن قيمة لويس عوض في تقريرنا، لأنه يكشف أن السيرة الذاتية نفسها عملية اختيار؛ ما يُكتب ليس الحياة كلها، وما لا يُكتب ليس بالضرورة سرًا، وما يُكشف عن الآخرين قد يكون أحيانًا أهم مما يُكشف عن الذات.

• أحمد أمين.. السيرة مساحة لفهم الذات
منذ بدء السيرة، يطرح أحمد أمين في "حياتي" سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يستطيع صاحب السيرة أن يقول كل شيء عن نفسه؟ فالكتاب، الصادر عام 1950، لا يكتفي بتتبع مراحل حياة أحمد أمين منذ طفولته وتعليمه وصولًا إلى عمله في القضاء والتدريس والجامعة، لكنه يقدم كذلك صورة واسعة للمجتمع المصري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أن الأهم ليس ما حكاه أحمد أمين، بل ما قاله بنفسه عن حدود الحكي، فهو لا يتعامل مع السيرة باعتبارها كشفًا مطلقًا للذات، بل يعترف صراحة بأن ثمة أشياء اختار ألا يقولها، وفي عبارة شديدة الدلالة يكتب: «لم أذكر فيه كل الحق، ولكني لم أذكر فيه أيضًا إلا الحق».
ثم يذهب أبعد من ذلك، موضحًا أن هناك من الحقيقة ما «ينبو عن الأذن سماعه»، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعري نفسه تعرية كاملة، وهنا تحديدًا يصبح المسكوت عنه جزءًا من بنية السيرة نفسها، لا مجرد فراغ فيها.
إن أحمد أمين لا يقول للقارئ هذه حياتي كاملة، بل يقول، ضمنيًا وبوضوح في الوقت نفسه: هذه هي الحقيقة التي اخترت أن أضعها على الورق، ولعل هذه واحدة من أكثر النقاط أهمية في قراءة "حياتي"، وهي أن صاحب السيرة نفسه يمنحنا مفتاح التعامل مع كتابه، فلا يجوز أن نبحث في الصفحات عما لم يقله، ثم نحوله إلى وقائع أو أسرار لمجرد أن الصمت يثير الفضول، فالصمت هنا معلن ومقصود، لكن مضمونه غير معلن.
وفي المقابل، لم يكن أحمد أمين بعيدًا تمامًا عن التفاصيل الخاصة، فعندما يصل إلى الزواج والحياة الأسرية، يكشف جوانب من شخصيته داخل البيت، ويعترف بأنه كان قليل الكلام، هادئًا، شديد الانشغال بعمله، وأن زوجته احتاجت وقتًا لتفهم أن هذا طبعه وليس موقفًا منها، كما يتحدث عن علاقته بأبنائه، ويقر بأنه كان في بدايات الأبوة أكثر قسوة ومراقبة، ثم خفف من تدخله مع اتساع تجربته وتغير تفكيره.
وتلك نقطة مهمة؛ لأنها تكشف أن أحمد أمين لم يكن يخشى الاعتراف بنقاط الضعف الشخصية، فهو لا يقدم نفسه في صورة المفكر المثالي الذي لم يخطئ في تربية أبنائه، بل يراجع نفسه ويقر بأن نظرته تغيرت مع الزمن.
بل إن اعترافه بانشغاله عن أولاده وعزلته الطويلة في مكتبه يضيف إلى الصورة وجهًا إنسانيًا لا يخلو من القسوة؛ فهو يعترف بأن إنتاجه الفكري جاء أيضًا على حساب جانب من حضوره الأبوي.
ومن هنا تبدو تجربة أحمد أمين أكثر تركيبًا مما قد يوحي به عنوان الكتاب البسيط، فهو لا يخفي ذاته، لكنه ينتقي المساحة التي يسمح لها بالظهور، وهذا الانتقاء يظهر كذلك في الطريقة التي يكتب بها عن تكوينه الأول، فهو لا ينسب نفسه إلى عبقرية فردية منفصلة عن البيئة، وإنما يرد تكوينه إلى شبكة من العوامل: الأسرة، والاقتصاد، والدين، واللغة، والأدب الشعبي، والتربية، وقد لخص ذلك بقوله: «فأنا لم أصنع نفسي»، وإنما صنعتها عوامل متعددة تراكمت عبر الزمن.
ولذلك يمكن القول إن "حياتي" تقدم نموذجًا آخر للمسكوت عنه في السيرة الذاتية؛ أنه ليس بالضرورة أن يكون ما لم يُكتب سرًا كبيرًا، فقد يكون ببساطة جزءًا من الحقيقة قرر صاحبها أن يحتفظ به خارج الكتاب.

عائشة عبدالرحمن.. حين تصبح السيرة اعترافًا بالفقد
تدخل عائشة عبدالرحمن، بنت الشاطئ، إلى السيرة من باب مختلف تمامًا، وهو باب الفقد، فكتابها «على الجسر بين الحياة والموت» ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل كتبته عقب وفاة زوجها وأستاذها أمين الخولي، وتحولت فيه سيرتها الشخصية إلى مساحة تستعيد من خلالها حياتها معه، وتعيد النظر في السنوات التي صنعت تكوينها العلمي والإنساني، وقد صدرت الطبعة الأولى عام 1968.
وبنت الشاطئ تجعل العلاقة بأمين الخولي محورًا تتقاطع حوله ذكرياتها عن الطفولة والتعليم والعمل والرحلة الفكرية،
ففي الصفحات الأولى التي تتناول نشأتها، نرى طفلة نشأت في بيت ديني شديد المحافظة، وأبًا رأى أن تعليم ابنته ينبغي أن يتم في البيت، ثم استطاعت رغم القيود أن تصل إلى المدرسة والتعليم الجامعي، وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن المسكوت عنه ليس دائمًا حادثة لم تروها الكاتبة؛ فقد يكون شعورًا تركته في النص دون أن تستنفده شرحًا، فبنت الشاطئ تحكي عن القيود، وعن الأب، وعن التعليم، لكنها لا تحول السيرة إلى محاكمة مباشرة للأسرة أو للمجتمع الذي نشأت فيه، بل تترك للقارئ أن يرى التناقض.
والأكثر دلالة أن علاقتها بأمين الخولي لا تُروى لكونها مجرد واقعة زواج؛ فالكتاب نفسه، يستعيد حياتها معه وفي رحابه، ويقدمه باعتباره أستاذًا ورفيقًا و«الراحل» الذي ظل حاضرًا في وعيها بعد موته؛ لذلك يصبح السؤال هنا أكثر حساسية: هل قالت بنت الشاطئ كل شيء عن أمين الخولي؟

المؤكد أن السيرة تختار زاوية محددة جدًا للعلاقة؛ زاوية الوفاء والحب والفقد والتكوين الفكري، أما المناطق الأخرى التي يمكن أن نتخيل وجودها في أي علاقة زوجية طويلة، فلا يصح أن نسميها «أسرارًا» أو «مسكوتًا عنه» لمجرد أنها لم تظهر في الكتاب.
هكذا أعادت بنت الشاطئ تشكيل حياتها داخل السيرة وفق مركز عاطفي وفكري هو أمين الخولي، ومن ثم فإن ما يقع خارج هذا المركز يتراجع حضوره، بينما تتسع المساحة الممنوحة للطفولة والتعليم والعلاقة بالأستاذ والزوج والرحيل.
حتى عنوان الكتاب نفسه يعلن هذا الاختيار، فإن «الجسر» ليس مجرد استعارة للموت؛ إنه منطقة معلقة بين زمنين: حياة عاشتها الكاتبة، وحياة انقطعت بوفاة الرجل الذي كان جزءًا أساسيًا من تكوينها.
وهنا نصل إلى صورة أخرى من صور المسكوت عنه، حين يكون الحضور الطاغي لشخص في السيرة سببًا في غياب أشياء أخرى عنها.

• رضوى عاشور.. أبواب مفتوحة بين الاعتراف والكتابة
مع رضوى عاشور يتغير معنى «المسكوت عنه» مرة أخرى. فنحن أمام كاتبة لم تكتفِ بكتابة سيرة واحدة، لكنها عادت إلى حياتها في أكثر من نص؛ بدأت بـ«الرحلة: أيام طالبة مصرية في أمريكا» عام 1983، ثم عادت بعد ثلاثين عامًا تقريبًا إلى مساحة أوسع في «أثقل من رضوى.. مقاطع من سيرة ذاتية» الصادر عام 2013، والفارق بين الكتابين مهم جدًا في قراءة ما تقوله وما لا تقوله، فقد وصفت رضوى نفسها «الرحلة» بأنها كانت «ورشة» لتعلم الكتابة؛ تجربة محددة الحدود، اختارتها لأنها أقل تعقيدًا من مواجهة نفسها في سيرة مفتوحة، وفي حوار معها شرحت أنها كانت تخشى الكتابة، وأنها أرادت أن تجعل للكتاب «حدودًا معلومة» ومشكلات أقل، لتتعلم من خلاله بناء المشهد والتعامل مع الزمن.
وهنا نحن أمام صمت اختياري له علاقة بشكل الكتاب نفسه: ليست كل حياة رضوى موضوع «الرحلة»، فقد اختارت مرحلة بعينها، وهي سنوات الدراسة في أمريكا، والغربة، والاستقلال، والعلاقة بالأسرة والوطن ومريد البرغوثي؛ ولذلك لا يصح أن نحاكم الكتاب بما لم يكن من أهدافه أصلًا.
لكن اللافت أن رضوى، داخل هذه المساحة المحدودة، لم تكن شحيحة في الاعتراف، بالعكس، تكشف عن خوفها من جسدها في المراهقة، وعن رغبتها في الاستقلال، وعن الصراع مع وصاية الأسرة والمجتمع، وفي واحدة من أشهر عبارات الرحلة تصف نفسها بأنها كانت «تركض» كي تتعلم وتستقل وألا يعيدها أهلها إلى حظيرة الوصاية، وألا يضعها المجتمع في خانة الدونية المعدة سلفًا للنساء.
وهذه ليست مجرد شكوى نسائية؛ إنها وثيقة عن صناعة الذات. فرضوى تروي كيف تتحول الفتاة من موضوع للحماية والوصاية إلى امرأة تريد أن تمتلك قرارها، وتربط بين الجسد والاستقلال والتعليم والسفر، ولذلك يصبح ما تقوله عن خوفها من الجسد والأسرة والمجتمع أهم من أي «سر» كان يمكن أن تبوح به.
لكن هناك منطقة أخرى شديدة الحساسية، وهي علاقتها بمريد البرغوثي، فالرسائل المتبادلة بينهما تظهر في الرحلة بوصفها جزءًا من تجربة الغربة والوطن، ومن أكثر العبارات دلالة ما تنقله عن مريد: «حين سافرتِ سافر الوطن مرة أخرى».

ومع ذلك، لا تحول رضوى العلاقة الزوجية إلى دفتر اعترافات. إنها تتركها في منطقة تجمع الحب والمنفى وفلسطين والغربة والذاكرة.
والأكثر إثارة أن رضوى نفسها تكشف لنا لماذا احتاجت إلى العودة إلى الكتابة عن حياتها بعد سنوات طويلة، ففي حديث لها عن مشروعها السيري تقول إنها بدأت في وقت سابق كتابة تجربة تمتد من 1946 إلى 1956، ثم جاءت" الرحلة" باعتبارها ورشة تأهيل، وانتهت في 1981 إلى شيء من التصالح مع نفسها ككاتبة، ثم جاءت «أثقل من رضوى» لتفتح مساحة أكبر بكثير، هنا تدخل المرض، والجامعة، والأسرة، والأصدقاء، والكتابة، وثورة 25 يناير، والموت إلى قلب السيرة، وتصف قراءات الكتاب بأنه يجمع بين تجربة المرض والعمليات الجراحية وبين الثورة المصرية والوعي بالتاريخ والهوية.
وهنا يمكن أن نرى شيئًا بالغ الدلال، فما كان مسكوتًا عنه في مرحلة، قد يصبح قابلًا للقول في مرحلة أخرى.

فالإنسان لا يكتب حياته مرة واحدة بالضرورة، حيث إن الزمن نفسه يعيد تفسير التجربة، فما كان مبكرًا على الكتابة قد يصبح ممكنًا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، وما بدا تفصيلًا شخصيًا قد يكتسب معنى جديدًا حين تضعه صاحبة السيرة في سياق المرض أو الثورة أو الشيخوخة أو اقتراب الموت.
هكذا تثبت "رحلة" رضوى عاشور أن السيرة ليست مرآة ثابتة، بل مرآة تتغير كلما تغيرت المسافة بين الكاتب وحياته.

نوال السعداوي.. الخاص الذي يتحول لعام
أما نوال السعداوي فتبدو للوهلة الأولى نقيض الصمت، ففي "مذكراتي في سجن النساء"، الذي صدر أصلًا عام 1982، تستعيد تجربة اعتقالها وسجنها، ولا تكتفي بحكاية نفسها، بل تفتح السيرة على حكايات السجينات الأخريات وعلى مناخ الخوف والقمع السياسي في عهد السادات.
لكن كثرة ما تقوله نوال لا تعني أنها قالت كل شيء، ذلك أن في أكثر السير جرأة يظل الكاتب صاحب القرار في تحديد ما الذي يستحق أن يتحول إلى نص.

وهنا نلحظ أن نوال تكشف الجسد والسجن والسلطة والزواج والمرأة، لكنها في الوقت نفسه تعيد تنظيم حياتها حول أسئلتها الفكرية، فيتحول الخاص عندها إلى قضية عامة، والتجربة الفردية تصبح شهادة على وضع اجتماعي أو سياسي أوسع.
ومن ثم فإن المسكوت عنه عندها ليس بالضرورة تفاصيل شخصية مخفية؛ بل قد يكون ببساطة ما لم يدخل في مشروعها الفكري من تجربتها.

مي زيادة.. حين تغيب السيرة التي يكتبها صاحبها
بينما تقدم مي زيادة حالة مختلفة تمامًا؛ لأنها لم تترك لنا سيرة ذاتية مكتملة بالمعنى التقليدي، وهنا تنتقل المشكلة من سؤال: «ماذا سكت الكاتب عنه؟» إلى سؤال أصعب: ماذا يحدث حين لا يكتب المبدع سيرته أصلًا؟
تتوزع حياة مي بين الرسائل والكتابات وشهادات المعاصرين وما كتبه عنها اللاحقون، وقد ترك هذا فراغًا ملأه كثير من الكتّاب والباحثين بروايات متفاوتة في درجة توثيقها؛ ولذلك يجب التمييز بدقة بين ما كتبته مي بنفسها، وما قاله الآخرون عنها، وما تحول بمرور الوقت إلى صورة أدبية شائعة عنها.
وهنا يصبح «المسكوت عنه» أخطر؛ لأن غياب السيرة يفتح الباب أمام الآخرين كي يكتبوا حياة لم تكتب صاحبتها نهايتها بنفسها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض