العقوبات الأمريكية على إيران.. الخنق الاقتصادي في مواجهة سلاح الجغرافيا
في ظل استمرار التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تتخذ المواجهة بين الطرفين مسارات متعددة لا تقتصر على التحركات العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى المجال الاقتصادي الذي بات يمثل إحدى أبرز ساحات الصراع، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى ممارسة ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيراني من خلال العقوبات وتضييق الخناق على قطاعات حيوية وشبكات الإمداد والتجارة والنقل.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية حالة من الحساسية تجاه أي اضطراب محتمل في مناطق إنتاج ونقل النفط والغاز، خاصة أن منطقة الخليج العربي ترتبط بممرات مائية ذات أهمية كبيرة لحركة التجارة العالمية وتدفقات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أبرز الممرات الاستراتيجية في حركة ناقلات النفط والطاقة.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى توظيف موقعها الجغرافي وأهمية المضيق في مواجهة الضغوط الاقتصادية الأمريكية، بما يفتح الباب أمام معادلة جديدة في الصراع، تقوم على استخدام الأدوات الاقتصادية في مواجهة أدوات الضغط الجغرافي والاستراتيجي، وبينما تستهدف العقوبات الأمريكية قطاعات وشبكات مرتبطة بالاقتصاد الإيراني، تظل تداعيات أي اضطراب في حركة الملاحة والطاقة عابرة للحدود، بما قد ينعكس على الأسواق العالمية.
العقوبات الأمريكية
ومن جانبها، أكدت الدكتورة وفاء علي، أستاذة الاقتصاد والطاقة، أن الولايات المتحدة تعتمد نمطًا جديدًا في إدارة أزمتها مع إيران، يرتكز على الانتقال من التصعيد العسكري المباشر إلى ما وصفته بـ«الخنق والإكراه الاقتصادي».
وأوضحت الدكتورة وفاء علي، أن العقوبات الأمريكية لم تعد تستهدف فقط تجميد الأموال أو فرض قيود مالية تقليدية، وإنما اتسعت لتشمل قطاعات حيوية مرتبطة بقدرة الاقتصاد الإيراني على العمل والاستمرار.
وأشارت إلى أن الملاحقة الممتدة لقطاعات الطيران والملاحة وأسطول الظل، إلى جانب شبكات التوريد وقطع الغيار، تمثل جزءًا من سياسة تستهدف، بحسب تقديرها، الوصول إلى ما وصفته بـ«الشلل العملياتي»، من خلال التأثير في القدرة التشغيلية للقطاعات المختلفة وتقويض جاهزيتها.
وأضافت أن توسيع نطاق العقوبات يجعل الضغوط الاقتصادية أكثر ارتباطًا بالقدرات الفعلية للاقتصاد، وليس بمجرد السيطرة على الأموال أو تقييد التحويلات المالية، في ظل استهداف شبكات الإمداد والخدمات اللوجستية والقطاعات المرتبطة بحركة التجارة والنقل.
الخنق الاقتصادي كأداة للضغط
وترى أستاذة الاقتصاد والطاقة أن التوسع في فرض العقوبات يمثل، بحسب تقييمها، أحد مظاهر التحول في طبيعة المواجهة بين واشنطن وطهران، معتبرة أن الاعتماد المتزايد على الأدوات الاقتصادية يعكس اتجاهًا نحو ممارسة الضغط بعيدًا عن المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي المقابل، تواجه إيران هذه الضغوط بمحاولة الاستفادة من عناصر القوة التي يوفرها موقعها الجغرافي، خاصة في ظل وجود مضيق هرمز ضمن نطاق نفوذها الجغرافي والاستراتيجي، وهو ما يضيف بُعدًا جديدًا إلى الصراع بين الطرفين.
وأشارت وفاء علي إلى أن طهران ترد على ما وصفته بـ«سلاح الدولار» باستغلال «سلاح الجغرافيا»، من خلال التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية المرتبطة بتدفقات الطاقة العالمية، وهو مضيق هرمز.
ويمثل المضيق نقطة استراتيجية رئيسية بالنسبة لحركة ناقلات النفط والغاز، الأمر الذي يجعل أي تهديد لحركة الملاحة عبره محل اهتمام كبير بالنسبة إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وأضافت أن مضيق هرمز تحول من مجرد شريان رئيس لتدفق الطاقة إلى أداة ضغط يمكن أن تؤثر في حسابات الاقتصاد العالمي بأكمله، في ظل ارتباط أسواق النفط بحركة الإمدادات عبر الممرات البحرية الاستراتيجية.
مضيق هرمز ورقة ضغط في سوق الطاقة
وتزداد أهمية مضيق هرمز في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على تدفقات الطاقة المنتظمة، حيث إن أي اضطراب محتمل في حركة الناقلات أو إمدادات النفط يمكن أن يفرض ضغوطًا جديدة على الأسواق، خاصة في حالة استمرار التوترات لفترة طويلة.
وتشير هذه المعادلة إلى أن المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران لا تظل محصورة داخل حدود البلدين، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية، خصوصًا إذا تزامنت العقوبات مع اضطرابات في حركة التجارة والطاقة.
وحذرت الدكتورة وفاء علي من تداعيات استمرار حرب العقوبات والتضييق على إمدادات النفط لفترة تصل إلى ستة أشهر، معتبرة أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى استنزاف المخزونات الاستراتيجية العالمية.
وأوضحت أن المخزونات الاستراتيجية تمثل إحدى أدوات الحماية التي تلجأ إليها الدول والأسواق لمواجهة اضطرابات الإمدادات المفاجئة، وبالتالي فإن استمرار الضغط على تدفقات النفط لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع ما وصفته بـ«الوسادة الآمنة» للاقتصاد الدولي.
وأضافت أن استنزاف هذه الاحتياطيات بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة قد يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات إضافية، خاصة إذا طال أمد الاضطرابات ولم تعد الأسواق قادرة على تعويض النقص في الإمدادات بالسرعة الكافية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

