حرقًا أو صعقًا أو غرقًا فى «برميل طرشى»
ﻣﻦ ﻳﺤﻤﻰ ﻋﻤﺎل اﻟﻮرش واﻟﻤﺼﺎﻧﻊ؟
بنات فى عمر الزهور «تَفَحَّمن» فى مصنع ملابس وعائلة بالكامل تلقى مصرعها فى معمل مخلل
غياب اشتراطات الصحة والسلامة المهنية شبح يطارد الغلابة فى حوادث كارثية والمحليات غائبة
خبراء: التفتيش والرقابة على المصانع تراجعا كثيرًا.. والمسئولية مشتركة بين الجهات الحكومية
مجدى صليب: ضعف وقلة أعداد المفتشين بعد وقف التعيينات سبب رئيسى
بين الحين والآخر نستيقظ على فاجعة جديدة تحصد أرواح العمال المصريين فى المنشآت الصغيرة والورش فى الأحياء والمناطق السكنية، ويرجع ذلك بكل تأكيد إلى غياب الرقابة على اشتراطات الصحة والسلامة المهنية، التى تعد العامل والعنصر الأساسى فى النجاة من هذه الحوادث.
فمنذ أسابيع قليلة استيقظنا على حادث حريق مصنع ملابس الزاوية الحمراء الذى تسبب فى وفاة 7 فتيات وإصابة 5 آخريات، والذى كان جرس إنذار لفتح ملف المنشآت الصناعية الموجودة داخل الكتل السكنية، لكن لم يتحرك أحد، حتى جاء حادث مأساوى جديد وقع داخل معمل لإنتاج المخللات فى محافظة الأقصر، أسفر عن 6 وفيات و3 مصابين، حيث توفى صاحب المعمل وأبناؤه الأربعة وشقيقه، إثر تعرضهم لصعق كهربى داخل بئر مياه مزودة بغاطس خاص بأعمال التخليل.
والسؤال هنا: إلى متى تتكرر هذه الحوادث، ولماذا تغيب الرقابة والتفتيش على هذه المصانع والورش، وأين دور ومسئولية الجهات الحكومية المختلفة لمنع تكرار هذه الحوادث؟
الخبراء يؤكدون أن هناك غيابًا كبيرًا لتطبيق اشتراطات الصحة والسلامة المهنية فى المصانع والورش خلال الفترة الأخيرة، مع تراجع دور التفتيش والرقابة على هذه المنشآت، فى ظل وقف التعيينات الخاصة بموظفى هذا النوع من الرقابة منذ التسعينيات، وقلة أعداد الموظفين فى مديريات الصحة والسلامة المهنية.
فما هى اشتراطات السلامة والصحة المهنية؟.. هى مجموعة القواعد والإجراءات والتدابير التى تهدف إلى توفير بيئة عمل آمنة، وحماية العمال والممتلكات من الإصابات والأمراض المهنية والأضرار المادية، ومن أبرزها تأمين الآلات والأدوات وأجهزة الرفع والجر ووسائل الانتقال لمنع حوادث الاصطدام أو السقوط، والصيانة الدورية للمعدات والتأكد من سلامة عناصر التحكم والتشغيل، وإلزام العمال بارتداء المعدات المناسبة لطبيعة العمل مثل: الخوذات، نظارات الحماية، قفازات الأمان، أحذية السلامة، وأقنعة التنفس.
بالإضافة إلى توفير الإضاءة الكافية والتهوية الجيدة للوقاية من الغازات والأتربة والأبخرة الضارة، والتحكم فى مستويات الضوضاء والحرارة داخل أماكن العمل لتجنب إجهاد العمال أو فقدان السمع، والوقاية من الحريق والطوارئ بتوفير مخارج طوارئ واضحة وغير مسدودة مع وجود إضاءة طوارئ وإرشادات واضحة، مع توفير طفايات الحريق المناسبة لأنواع الحريق المحتملة وفحصها بانتظام، إلى جانب التدريب على خطط الإخلاء، وتدريب العاملين المستمر على كيفية التعامل الآمن مع المواد الخطرة والآلات، فضلًا عن اشتراطات خاصة بكل مجال.
من جهته، قال الدكتور مجدى صليب، رئيس المركز القومى لدراسات السلامة والصحة المهنية سابقًا، إن هناك اشتراطات خاصة بكل مهنة قبل إنشاء المشروع الخاص بها، ومن المفترض أن يكون هناك تفتيش دوري على المشروع وفقًا للاتفاقيات الدولية.
أضاف صليب: للأسف لا توجد رقابة أو تفتيش دورى على المصانع والورش الصغيرة فى الوقت الحالى، مع ضعف وقلة أعداد الموظفين فى الصحة والسلامة المهنية، خاصة بعد وقف التعيينات منذ التسعينيات.
وأوضح أن جهاز التفتيش والرقابة على السلامة والصحة المهنية فى مصر يعانى أشد المعاناة بسبب قلة الموظفين، لافتًا إلى أن أعداد الموظفين فى هذا الجهاز تراجعت بشدة، لأن من يخرج على المعاش لا يتم تعيين غيره.
وذكر أن هناك إدارات عامة للصحة والسلامة المهنية فى 27 مديرية وفى كل مركز هناك مكتب، لكن العدد الذى يعمل فى هذه الجهات أصبح 3 أو 4 موظفين فى كل مديرية، وبالتالى الحل السريع للرقابة على المصانع والورش هو عودة القوة لهذا الجهاز، وتعيين موظفين له كما كان فى السابق.
وتابع «المركز القومى لدراسات السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل كان فيه 1000 موظف والآن أصبحوا 60 موظفًا».
وأشار صليب إلى أنه لا يوجد من يهتم بالصحة والسلامة المهنية فى مصر حاليًا، لأن الدولة لا تريد تحميل صاحب العمل أعباء.
وأكد أن سلامة بيئة العمل عنصر أساسى وضرورى، ولا يوجد ما يسمى بورشة صغيرة أو كبيرة، لأن كل نشاط لا بد أن يخضع لاشتراطات الصحة والسلامة المهنية طبقًا للمعايير الدولية.
فيما قال شعبان خليفة، رئيس النقابة العامة للعاملين بالقطاع الخاص فى مصر، إن المسئول الأول والأخير عن تكرار حوادث المصانع والورش الصغيرة هى الحكومة، بسبب تأخرها فى إصدار قانون المحليات الذى يُمكن أعضاء المجالس المحلية من المشاركة فى الرقابة على المصانع والورش داخل الأحياء.
وتساءل خليفة: أين المحليات والمحافظ ورؤساء المدينة، كيف يتم تشغيل هذه المصانع بدون رخصة، وإذا كانت تمتلك رخصة فأين التفتيش على اشتراطات السلامة والصحة المهنية داخلها، وأين دور مفتشى العمل، وهل هذا المصنع أو الورشة الصغيرة يصح أن تعمل فى هذا المكان أم لا؟
كما تساءل عن دور وزارة الكهرباء فى السماح بتوصيل الكهرباء لهذه الورش والمصانع، وكذلك المياه والصرف، مشيرًا إلى أن أى مصنع حتى يحصل على الترخيص لا بد أن يكون فيه مخرج مياه ومخرج صرف، فهل هذا الأمر كان مطبقًا فى الحوادث المتكررة أم لا، وأين اشتراطات الدفاع المدنى للحفاظ على أرواح العمال؟
وتابع «للأسف أرواح العمال مبقاش ليها قيمة»، خاصة أن نسبة ليست بالقليلة منهم غير مؤمن عليها، وإذا لم يكن مؤمن عليها فأين دور مفتشى التأمينات الاجتماعية فى ذلك، ولماذا لم يقم بدوره؟.. لذلك فالمسئولية مشتركة بين الجهات الحكومية المختلفة.
وفيما يتعلق بحقوق هؤلاء العمال، أشار خليفة إلى أن أهل الضحايا يجب عليهم إقامة دعاوى قضائية يتهمون فيها أصحاب الأعمال بجناية القتل السلبى، وتعريض أرواح الناس للخطر، وهذا فيما يتعلق بالشق الجنائى، أما الشق المدنى فيتمثل فى إقامة دعوى بالتعويض المادى والمعنوى على صاحب العمل بسبب فقدان مصدر الرزق، وإذا لم يكن مؤمنًا على العمال تختصم التأمينات الاجتماعية لإصدار معاش بسبب تقاعس موظفيها عن القيام بالعمل، والتفتيش على هذه المصانع والورش.
أما من الناحية القانونية فقال الدكتور أحمد القرمانى، المحامى وأستاذ القانونى الجنائى، إن القتل الخطأ هو الوصف الأقرب عند ثبوت الإهمال، لأن وفاة العامل بسبب حريق لا تعنى تلقائيًا قيام جريمة قتل عمد، والمسألة تتحدد وفقًا لظروف كل واقعة.
أضاف القرمانى أن الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو مخالفة القوانين واللوائح، بالإضافة إلى ثبوت علاقة السببية بين الخطأ والوفاة تساوى احتمال قيام جريمة القتل الخطأ وفق المادة 238 عقوبات.
وأوضح أستاذ القانون الجنائى أن المادة 238 تنص على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تجاوز مائتى جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين فى صورتها الأساسية، لكن العقوبة تتشدد إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال جسيم بما تفرضه أصول الوظيفة أو المهنة أو الحرفة، فتكون العقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات، والغرامة من مائة إلى خمسمائة جنيه أو إحدى العقوبتين.
كما تتشدد العقوبة إذا ترتب على الفعل وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص، فتكون العقوبة الحبس من سنة إلى سبع سنوات، وتصل إلى الحبس من سنة إلى عشر سنوات إذا توافر أيضًا ظرف من الظروف المشددة الواردة فى الفقرة السابقة.
وأكد القرمانى أهمية إثبات الإخلال الجسيم بواجبات السلامة، لأن غياب وسائل الإطفاء، أو مخارج الطوارئ، أو التخزين الآمن للمواد الخطرة، أو تجاهل مخاطر معروفة قد يكون من الأمور التى يبحثها التحقيق الفنى والقضائى لتحديد ما إذا كان هناك خطأ جنائى وعلاقة سببية بينه وبين الوفاة.
وتابع أستاذ القانونى الجنائى: «أما مخالفة اشتراطات السلامة والصحة المهنية فتترتب عليها العقوبات المقررة بقانون العمل، ومن بينها الغرامة المنصوص عليها فى المادة 296، والتى تنص على العقوبة بالغرامة التى لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تجاوز مائة ألف جنيه، وتُضاعف الغرامة فى حالة التكرار، مشيرًا إلى أن هذه العقوبة تخص مخالفة أحكام قانون العمل، ولا تحول دون تطبيق أى عقوبة أشد يقررها قانون العقوبات، أو أى قانون آخر متى توافرت أركان الجريمة.
أما إذا ثبت تعمد إشعال الحريق، فتطبق النصوص الخاصة بالحريق العمد، وما يترتب عليه من نتائج، والأهم أن تحديد المسئول جنائيًا لا يقوم على مجرد صفة «مالك المنشأة»، وإنما على تحديد الواجب القانونى أو الفعلى، والخطأ، ومدى مساهمته فى وقوع الحادث والوفاة.
وذكر القرمانى أن قانون العمل وضع التزامًا صريحًا بالوقاية من الحرائق، فلم يترك المشرع المصرى سلامة العامل لاجتهاد صاحب المنشأة، وقد خصص قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 كتابًا كاملًا للسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل، وتسرى أحكامه على جميع مواقع العمل والمنشآت وفروعها أيًا كان نوعها أو تبعيتها.
وتابع: «الأهم أن المادة 251 من قانون العمل تنص صراحة على التزام المنشأة وفروعها باتخاذ الاحتياطات والاشتراطات اللازمة للوقاية من مخاطر الحريق طبقًا لما تحدده الجهة المختصة بوزارة الداخلية، وهذا يعنى أن وسائل الحماية من الحريق ليست رفاهية، ولا أمرًا اختياريًا يترك لصاحب العمل».

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض