لعل من أكثر الصور التي استقرت في الذاكرة المصرية عن عصر ما قبل يوليو صورة «كرباج الباشا»؛ ذلك الباشا الذي يقف متعاليًا، والفلاح أمامه خاضعا ً، وكأن الكرباج كان وسيلة التخاطب اليومية بين طبقة تحكم وشعب لا يملك من أمره شيئًا. تكررت الصورة في السينما والدراما والخطاب السياسي حتى كادت تتحول من صورة رمزية إلى حقيقة تاريخية مطلقة.
ولا أنكر أن المجتمع المصري آنذاك عرف تفاوتا ً طبقيا ً واسعاً، وأن ملكية الأرض والثروة تركزت بدرجة كبيرة في أيدي فئات محدودة، وأن الفقر والمرض والأمية كانت مشكلات حقيقية. لكن السؤال ليس: هل كانت هناك مظالم؟
فقد كانت موجودة بالتأكيد.
السؤال هو: هل كانت تلك المظالم هي كل الصورة؟
وأتوقف أحيانا ً أمام «كرباج الباشا» نفسه وأسأل: إذا كان الكرباج بهذه المركزية في علاقة الباشا بالفلاح كما صُوِّر لنا، ألم يكن من الطبيعي أن نجد نماذج منه محفوظة في المتاحف بوصفها شاهدا ً على عصر كامل؟ أم أن الصورة الدرامية والسياسية كانت أبلغ أثرا ً من الأداة ذاتها؟
والأمر لا يتوقف عند الكرباج؛ فقد ترسخت صورة أخرى تقول إن المصريين قبل يوليو كانوا حفاة جوعى، محرومين من التعليم والصحة والرياضة، وكأن مجتمعا ً كاملا ً كان يعيش خارج العصر .. لكن الحقيقة أن مصر قبل يوليو عرفت الجامعات والمدارس والمستشفيات والأندية والحياة الثقافية والصحافة والبرلمان، وخرج من ذلك المجتمع طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وغيرهم، وتعلم فيه أيضا ً كثيرون ممن أصبحوا بعد ذلك من قادة يوليو أنفسهم.
وهنا ينبغي الانتباه إلى الفارق بين الاعتراف بأن هذه الخدمات لم تكن متاحة بالقدر نفسه لكل المصريين، وبين القول إنها لم تكن موجودة أصلا ً .. فالأولى قراءة نقدية للتاريخ، أما الثانية فاختزاله.
وإذا كان وجود الفوارق الطبقية دليلا ً كافيا ً لإدانة عصر بأكمله، فهل اختفت الفوارق الطبقية اليوم؟
وهل اختفت من المجتمعات الأوروبية المتقدمة؟
لا يوجد مجتمع بشري عرف مساواة كاملة في الثروة أو النفوذ أو الفرص .. فالقضية ليست في وجود الفوارق وحدها، وإنما في حجمها، وإمكان الانتقال بين الطبقات، ومدى توافر حد عادل من الفرص والخدمات والكرامة الإنسانية.
بل إننا إذا عدنا آلاف السنين إلى الحضارة المصرية القديمة التي نفخر بالانتساب إليها، سنجد مجتمعا ً شديد التراتب، على قمته الفرعون، وتحته طبقات متفاوتة في السلطة والثروة والمكانة .. ومع ذلك لا نختزل الحضارة المصرية القديمة كلها في شكل نظام الحكم أو تفاوت طبقاتها، ولا نهدم الأهرامات معنويا ً لأن الذين بنوها عاشوا وفق معايير اجتماعية وسياسية تختلف جذريا ً عن معايير عصرنا .. نحن نقرأ الحضارة في سياق زمنها، ونرى إنجازاتها ونقائصها معا ً.
فلماذا لا نمنح تاريخنا الأقرب الحق نفسه؟
المشكلة هنا ليست في ثورة يوليو ولا في تقييم إنجازاتها؛ فقد غيرت بالفعل بنية المجتمع المصري، ووسعت نطاق التعليم والحراك الاجتماعي، وأعادت توزيع جانب من الثروة والنفوذ، وتركت بصمتها العميقة على مصر والمنطقة .. لكن الاعتراف بإنجاز مرحلة لا يستلزم أن نحول المرحلة السابقة عليها إلى مساحة سوداء بالكامل. فالثورات كثيرا ً ما تحتاج في سنواتها الأولى إلى بناء شرعيتها، ومن أدوات ذلك إبراز مساوئ النظام الذي أسقطته، لكن ما يمكن فهمه في لحظة التحول السياسي لا ينبغي أن يتحول بعد عقود إلى منهج دائم لكتابة التاريخ.
والأمم الناضجة لا تحتاج إلى هدم مرحلة لكي تبني أخرى. فمصر الملكية امتداد لما قبلها، ويوليو امتداد لما قبلها رغم الثورة عليه، والجمهورية الحالية امتداد لكل ما سبقها، بحلوه ومره.
التاريخ ليس مجموعة غرف منفصلة نغلق باب إحداها عندما ندخل الأخرى، وإنما بناء متصل؛ يضيف كل جيل إليه، ويصيب ويخطئ، ثم يترك لمن بعده ما يستحق البناء عليه وما يحتاج إلى التصحيح.
فالحاضر الذي يستحق أن نفتخر به، ينبغي أن يلمع بما أنجزه هو، لا بقدر ما أطفأنا من أنوار ما سبقه.
وربما هنا تكمن المسألة كلها: لسنا مطالبين بتبرئة عصر، ولا بإدانة عصر آخر .. فالملكية لم تكن جنة، ويوليو لم تكن خطيئة، وما قبل الاثنين لم يكن تاريخا ً بلا مظالم أو تفاوت. لكل مرحلة إنجازاتها وإخفاقاتها، ولكل زمن ظروفه ومعاييره. والإنصاف لا يعني أن نمحو العيوب، كما لا يعني أن نمحو الإنجازات.
فالتاريخ لا يحتاج منا إلى محام ٍ يدافع عنه، ولا إلى خصم يدينه؛ بل إلى عين تراه كاملا ً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض