شامخ الشندويلى يكتب: شعرية البيان وأصالة الهوية: قراءة نقدية في شعر الدكتورة وجيهة السطل.
الشاعرة الدكتورة وجيهة السطل قامة سامقة في المشهد الأدبي واللغوي المعاصر، وتُعد بحق خنساء العصر وأيقونة دفاع عن لسان الضاد. يمتزج في ديوانها الرصيد اللغوي الثري بالثقافة الموسوعية والحرقة الصادقة على هوية الأمة وقيمها الأصيلة. شعرها ليس مجرد رصف للمفردات أو ضبط للموازين الخليلية، بل هو فيض وجداني يحمل في طياته دقة العالم ورقة العاطفة، حيث تسخر البلاغة العالية لتشكيل معمار شعري متماسك ينساب بعذوبة ويتغلغل في أطواء النفس.
فى قصيدة "قرار"، نجد معارضة ومساجلة شعرية لطيفة تتسم بالذكاء والعزة. ينطلق النص من مداعبة الزوج الشعرية، لترد الزوجة ببديهة حاضرة وكبرياء أنثوي راقٍ. الجمال الفني في هذه القصيدة يكمن في التقابل الدرامي وتصعيد الموقف العاطفي، حيث تحول المداعبة إلى مراجعة للذات وتذكير بحرمة الرباط المقدس. تكتب:
الزوج شاعر يمازح زوجه الجميله جدا فيقول:
كثُرَ الجَمَالُ بِمَا يُحِيطُ رُبَاكِ ... وَعَشِقْتُ كُلَّ جَمِيلَةٍ إِلاَّكِ
فجاءه الرد صاعقا:
يَا مَنْ تُقَاسِمُنِي الهَوَى رُحْمَاكَ ...
إِنَّ الجَمَالَ مُكَثَّفًا أَعْمَاكَ
يَا مَنْ تُبَادِلُنِي الغَرَامَ عَشِيَّةً ...
فَإِذَا أَتَى صُبْحٌ نَسِيتَ هَوَاكَ
اِعْقِلْ تَمَهَّلْ فَالحَيَاةُ جَمِيلَةٌ ...
مَا دُمْتُ مَعَكَ تَضُمُّنِي عَيْنَاكَ
فَإِذَا جُنِنْتَ وَمَدَّ فَرْعُكَ خَارِجًا ...
فَاعْلَمْ فَدَيْتُكَ قَدْ هَدَمْتَ حِمَاكَ
فَتَجَرَّعِ الكَأْسَ المَرِيرَ فَإِنَّنِي ...
نَايٌ جَمِيلٌ كَسَّرَتْهُ يَدَاكَ
وَتَعَلَّمِ الدَّرْسَ البَلِيغَ فَإِنَّنِي ...
بُسْتَانُ وَرْدٍ حَطَّمَتْهُ خُطَاكَ
وَانْدَمْ طَوِيلًا لَنْ تَذُوقَ سُلَافَتِي ...
فَأَنَا عُطُورٌ فَارَقَتْ دُنْيَاكَ
وَأَنَا نَعِيمٌ قَدْ كَفَرْتَ بِنَهْرِهِ ...
فَتَذَوَّقِ الفَقْدَ الأَلِيمَ لِذَاكَ
مَا عُدْتُ تَنْتَظِرُ الحَنَانَ مُرَتَّلًا ...
لَنْ تَسْمَعَ النَّجْوَى (جَعَلْتُ فِدَاكْ)
إِنِّي اسْتَرَحْتُ مِنَ الصَّبَابَةِ وَالهَوَى ...
وَعَقَدْتُ عَزْمًا صَادِقًا أَنْسَاكَ
وهكذا ، استخدمت الشاعرة صوراً ممتدة تقرن الكبرياء بالجمال، فصوّرت نفسها نايًا جميلًا وبستان ورد وعطورًا وفوارة نعيم، لتصبح خسارتها عقابًا بليغًا للغفلة، وجاء الروي المضموم المقترن بكاف الخطاب ليضفي نبرة تحذير تنبض بالحس والدفء في آن واحد.
وفي قصيدة "حديث الشعر" ، يظهر جمال التفكر والبوح الوجداني المتأمل، إذ ترتقي الشاعرة بمفهوم الشعر ليغدو كائنًا حيًا يفيض عطره وينشر الضياء. تكمن قوة القصيدة في القدرة على الانتقال السلس من البعد الذاتي إلى البعد القومي والديني. تتلاحق الصور الشعرية من سنابل الشعر وكرم الهوى، لتصل إلى وجع الأوطان وقوافل الشهداء، ثم تختم بالدعوة إلى أداء أمانة الله واستقبال صبوح الأمل. تقول:
الشِّعْرُ يَصمت إِكْرَامًا لِمَنْ وَهَبَا
زَهْرَ الْحُرُوفِ لَهُ
فَاسَّاقَطَتْ رُطَبَا
.كَمْ يُرْسِلُ الْعِطْرَ فَوَّاحًا يُحِيطُ بِهِ
وَيَتْرُكُ الشَّوْقَ فِي العَيْنَيْنِ مُغْتَرِبَا
.وَيسْتَسِيغُ نَسِيمَ الْفَجْرِ مِنْ يَدِهِ
يَأْتِي النَّهَارُ فَلَا يَلْقَاهُ مُضْطَرِبَا
.مَا أَجْمَلَ الشِّعْرَ تَحْوِينَا سَنَابِلُهُ
وَالْكُلُّ يَقْطِفُ مِنْ كَرْمِ الْهَوَى عِنَبَا
.يَبْقَى الْحَدِيثُ بِشَطِّ الْقَلْبِ يَجْمَعُنَا
وَرَفَّةُ الرُّوحِ تَسْقِي الْعَيْنَ وَالْهُدُبَا
وَالشِّعْرُ يَا صَاحِبي
أَنْوَارُ مَنْ سَبَقُوا
إِنْ شِئْتَ رَوْضًا رَأَيْتَ السِّحْرَ مُنْسَكِبَا
أَوْ شِئْتَ حِكْمَتَهُ فَالْحِكْمَةُ انْطَلَقَتْ
وَاسْتَوْطَنَتْ مُهَجَ الْكُتَّابِ وَالْكُتُبا
حُبٌّ وَدِفْءٌ بِخَفْقِ القَلْبِ نَرْسُمُهُ
تَسْمُو الْمَشَاعِرُ فِيهِ يَبْلُغُ السُّحُبَا
أَوْطَانُنَا سَافَرَتْ فِي غُرْبَةٍ مَعَنَا
وَحُبُّهَا زَادَ مِنْ وَهْجِ النَّوَى لَهَبَا
أَوْطَانُنَا جَرَعَتْ مِنْ ظُلْمِ إِخْوَتِهَا
نَرْجُو وَنَدْعُو: أَلَا لَا سَاءَ مُنْقَلَبَا
مَرَّتْ مَآسٍ جَلَاهَا الْحُبُّ تَضْحِيَةً
قَوَافِلُ الشُّهَدَا تَحْكِي بِهَا العَجَبَا
.وَالشِّعْرُ خَلَّدَهَا لِلْجِيلِ ذَاكِرَةً
تَفْنَىٰ السِّنِينُ، وَيَبْقَىٰ الشِّعْرُ مُكْتَسَبَا
.يَا حَافِظَ الْوُدِّ هٰذِي أَحْرُفِي عَزَفَتْ
لَحْنًا بَدِيْعًا تَقُولُ النَّفْسُ وَاطَرَبا
.وَاللَّيْلُ يَطْوِي بُعَيْدَ الْفَجْرِ أَجْنِحَةً
صُنْعَ الْجَلِيلِ لِبَاسًا يُذْهِبُ التَّعَبَا
.فَيَا عِبَادُ أَجِيبُوا أَمْرَ بَارِئِكُمْ
وَاسْتَقْبِلُوا الشَّمْسَ غَطَّتْ أَرْضَكُمْ ذَهَبَا
.يَسْرِي الضِّيَاءُ رَحِيقًا فِي خَمَائِلِكُمْ
يُعْطِي الْحَيَاةَ وَمَا فِي اللَّوْحِ قَدْ كُتِبَا
أما قصيدة "رب كريم"، فهي دراما شعرية إنسانية تقشعر لها الأبدان، صيغت بتأثر عميق من موقف واقعي. تجسد الملحمة الإيمانية والرحمة البشرية حين يلتقي حب اليتيم مع تدفق الحليب وحنو الوالدين ، لتنقلب الموازين الطبية بقدرة إلهية. تقول:
عَيْنِي وَعَيْنُكِ تَدْمَعَانِ فَيَا تُـرَى
أَتَدَفُّقُ الإِحْسَاسِ أَمْ دَمْعٌ جَرَى؟
هِيَ قِصَّةٌ لَكِنَّهَا صَنَعَتْ بِنَا
مَا شَاءَ رَبُّكِ لِلْعُيُونِ وَقَدَّرَا
****
يَا قِصَّةً أَبْكَتْ قُلُوباً حُرْقَةً
قَبْلَ العُيُونِ تَفَاعُلاً وَتَأَثُّرَا
هَذَا رَضِيعٌ قَدْ رَمَتْهُ أُمُّهُ
وَاللَّهُ أَبْدَلَهُ حَنَاناً أَوْفَرَا
هِيَ لَحْظَةٌ فِي العُمْرِ فَاضَتْ رَحْمَةً
وَتَدَفَّقَ الإِحْسَاسُ فِيهَا أَنْهُرَا
دَرَّ الحَلِيبُ مِنَ الحَنَانِ لأَجْلِهِ
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ القُلُوبَ وَأَعْمَرَا
الأُمُّ تُرْضِعُ مَنْ تَرَاهُ لِيُتْمِهِ
ابْناً لَهَا، تَحْنُو عَلَيْهِ لِيَكْبُرَا
فَحَنَتْ عَلَيْهِ وَأَرْضَعَتْهُ بِلَهْفَةٍ
نَامَ الرَّضِيعُ بِحَضْنِهَا وَتَدَثَّرَا
حَضَنَتْهُ مُرْضِعَةً رَآهَا زَوْجُهَا
فَحَنَا عَلَيْهِ مِثْلَهَا وَاسْتَغْفَرَا
كَانَ ابْنُهَا فِي مِحْنَةٍ فِي مَحْضَنٍ
إِرْضَاعُهُ كَانَ المُرَادَ الأَكْبَرَا
قَالُوا رَضِيعٌ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ
بَشَراً سَوِيّاً فِي الحَيَاةِ كَمَا نَرَى
هُوَ نَاقِصُ التَّكْوِينِ فَالْمُخُّ انْتَهَى
لا سَمْعَ بَلْ لا نُطْقَ أَيْضاً لَنْ يَرَى
إِنْ تَأْخُذُوهُ فَذَاكَ رَأْيٌ خَاطِئٌ
يَحْتَاجُ مُسْتَشْفَىً عَلَيْهِ لِتَسْهَرَا
قَدْ أَجْمَعُوا لَنْ تَنْجَحُوا لَنْ تَفْلَحُوا
فِي دَرْءِ مَا فِيهِ العِلاجُ تَأَخَّرَا
أَخَذُوا عَلَيْهِمْ مَوْثِقاً أَنَّ الرَّدَى
سَيَكُونُ مِنْ حَظِّ الرَّضِيعِ بِلا مِرَا
وَتَعَذَّبَ الأَبَوَانِ فِي طِفْلَيْهِمَا
وَالأَمْرُ أَضْحَى مُوجِعاً وَمُحَيِّرَا
سَبْعٌ عِجَافٌ أَشْهُراً أَضْنَاهُمَا
فِيهَا بُكَاءٌ يَسْتَفِزُّ مَشَاعِرَا
وَسَبْعَةٌ قَاسِيَاتٌ مِنْ شُهُورٍ أَسْلَفَتْ
وَالحُزْنُ فِي القَلْبَيْنِ دَمْعاً أَزْهَرَا
لَكِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ لِحِكْمَةٍ
وَهَبَ التَّحَسُّنَ لِلسَّقِيمِ وَأَظْهَرَا
قَدْ أَنْقَذَ الطِّفْلُ الرَّضِيعُ رَضِيعَهُمْ
مِمَّا اسْتَحَالَ عَلَى العُلُومِ وَأَعْسَرَا
وَتَتَابَعَتْ رَحَمَاتُ رَبِّي حَوْلَهُمْ
وَثَوَابُهُ الفَوْرِيُّ حَلَّ فَيَسَّرَا
نَطَقَ الَّذِي قَالُوا تَعَطَّلَ مُخُّهُ
وَأَحَسَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ فِيهِ فَكَشَّرَا
وَلِصَوْتِ إِرْسَالِ الضَّجِيجِ مُتَلْفَزاً
أَصْغَى الرَّضِيعُ تَفَاعُلاً وَاسْتَشْعَرَا
عَيْنَانِ أَدْمَعَتَا فَصَارَتْ أَعْيُناً
لا تَعْجَبُوا، فَالْعُودُ أَصْبَحَ أَخْضَرَا
سَرَتِ الحَيَاةُ بِفَضْلِ قَلْبٍ رَاحِمٍ
وَاللَّهُ أَنْقَذَ طِفْلَهُمْ مِمَّا جَرَى
إِنِّي بَكَيْتُ مَعَ الحَدِيثِ لأَنَّنِي
آنَسْتُ رَحْمَةَ رَبِّنَا تَغْشَى الوَرَى
رَبٌّ كَرِيمٌ كَمْ يُكَافِئُ عَبْدَهُ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِأَعْظَمِ مَا يَرَى
قَدْ أَسْعَدَ الأَبَوَيْنِ بَلْ أَرْضَاهُمَا
وَثَوَابُ حُبِّهِمَا اليَتِيمَ تَفَسَّرَا
=====
هامش ضروري: البيتان الأول والثاني كتبهما د. جمال مرسي -رحمه الله وجمعنا به في الفردوس الأعلى-
تفاعلًا مع مقطع فيديو أرسلته إليه. ذات صباح. ثم تركني وذهب إلى مشاغله. لكن البيتين استثارا قريحتي فأكملت
القصيدة . وفاجأته بها في المساء.
≈=========
الجمال الفني هنا يتجلى في القدرة على تحويل القصة السردية بكامل تفاصيلها المعقدة -من تشخيص الأطباء والمحضن والشهور العجاف- إلى بساطة شعرية مؤثرة تعج بالصور النفسية. جاء التعبير عن الرحمة الإلهية وثواب الكفالة بأسلوب يمس القلوب، وجاءت خاتمة القصيدة كلوحة تسبيح وتضرع لرب كريم يكافئ عباده بأعظم مما يرجون.
وفي قصيدة "الحمد لله"، نلمس نفَس الصرخة الحضارية والغيرة اللغوية؛ إذ تصوغ الدكتورة وجيهة رؤيتها للواقع المعاصر وما يحاك للهوية الإسلامية والعربية من تغريب وتفكيك للتاريخ واللسان. قوة القصيدة تنبع من أسلوب السخرية المرة والمحاكاة التحليلية لخطط الأعداء، حيث تسرد على ألسنتهم كيف يستهدفون الدين واللغة والذكاء.
الْحَمْدُ لِله لَاعِلْمٌ وَلَا خُلُقٌ
تَاهَ الْجَمِيعُ، وَضَاعَتْ مِنْهُمُ الطُّرُقُ
ٌمَنَاهج تَصْطَلِي فِي نَارِ جَهْلِهِمُ
تَغَيَّرَتْ نُظُمُ التَّقْوِيْمِ فَافْتَرَقُوا
وَالْأَوْلِيَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ يَشْغَلُهُمْ
بَحْثٌ عَنِ الرِّزْقِ
وَالتَّفْكِيْرُ وَالرَّهَقُ
وَاللَّيْلُ يَغشَى وَفِي أَحْلَامِهَمْ صُوَرٌ
فَالْغَرْبُ يَجْرِفُهُم
يَغْتَالُهُمْ أَرَقُ
قَالُوا وَمَا خَجِلُوا
أَعْلَامُكُمْ سَطَعَتْ
لَنْ تَبْلُغُوا شَأْوَنَا
-حِقْدًا -وَقَد صَدَقُوا
قَالُوا بِفَلْسَفَةٍ
إِنْ شِئْتَ
مَهْلَكَةً
لِلْقَوْمِ قَدْ عَبَرُوا لِلْمَوْتِ وَاخْتَرَقُوا
فابْغِ الثَّلَاثَةَ حِصْنَ القَوْمِ حَارِسَهُمْ
دِيْنًا وَتَارِيخَ أَمْجَادٍ
بِهَا نَطَقُوا
لِسَانُهُمْ لُغَةٌ رَقَّ الْبَيَانُ
لَهَا
وَالدِّيْنُ قَدَّسَهَا فِي هَدْيِهِ سَمَقُوا
فَاعْمَدْ
إِلَى لُغَةٍ كَالشَّمْسِ، مُشْرِقَةً
فَلَا يَرَى حُسْنَهَا قَلْبٌ وَلَا حَدَقُ
سَفِّهَ ثَوَابَتَهُمْ، وَابْدَأْ بِدِينِهِمْ
شَكَّكَ بِمَا وَثِقُوا ،جَرِّحْ بِمَا اعْتَنَقُوا
ثُمَّ الْحَضَارَةَ وَالتَّارِيخَ ِاِرْمِهُِمَا
فِي قَعْرِ جُبِّ ،وَهَلِّلْ كُلَّمَا اخْتَنَقُوا
وَالأَذْكِيَاءُ وَقُودُ الْعِلْمِ
نَعْرِفُهُمْ
ضَيَّقْ عَلَيْهِمْ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ أَلَقُ
وَلْتَنْفُثُوا حُمَمَ الْأَحْقَادِ فَوْقَهُمُ
حَتَّى يَزُولُوا
فَلَا يَبْقَى لَهُمْ رَمَقُ
أَكْمِلْ بِخِطَّةِ
أنذال وما اتعظوا
أعْطِ الصدارة مَنْ عَقُّوا وَمَنْ أَبَقُُوا
هَذَا أُرِيدُ لَنا
فَلْتَفْهَمُوا وَتَعُوا
الْعُرْيُ فَخٌّ تَبَاهَوْا فِيهِ
وَاسْتَبَقُوا
كُنَّا بِجَنَّتِنَا
فِي خُلْدِ أَنْدَلُسٍ
فْاسْتَكْثَرُوهَا
وَأمْجَادًا لَنَا سَرَقُوا
أَصْلُ الخَلِيْقَةِ حَوَّاءٌ وَآدَمُهَا
مُنْذُ اسْتَجَابَا لِوَسْوَاسٍ فَقَدْ مَرَقُوا
لَمْ يَفْهَمَا مَقْصِدَالرَّحْمَنِ بَلْ أَكَلَا
وَعَوْرَةً، رَأَيَا قَدْ أَنْقَذَ الطَّفَقُ
هَذِي شَيَاطِينُهُمْ قَدْ وَسْوَسَتْ لَكُمْ
لَا تَسْتَجِيبُوا، فَمَا فِي دَوْحِكُمْ وَرَقُ
!!!!
ونلاحظ أن الشاعرة استخدمت معجمًا قرآنيًا وتاريخيًا رصينًا، يتناغم فيه الحديث عن الأندلس بحسرة، مع استدعاء قصة آدم وحواء، لتبث في الأمة روح اليقظة وتحذر من التعرية الفكرية والثقافية.
وتأتي قصيدة "أصداف البحر" كمعزوفة أخوة مفعمة بالوفاء والتقدير لأهل الفضل والإبداع. يتجلى التميز الفني في النص من خلال التناغم الإيقاعي والمظاهر الطبيعية الخلابة التي استعارتها الشاعرة، كالأصداف والنجوم الساطعة وقطر الندى، لتصف بها أثر الكلمة الطيبة والإلقاء الساحر. القصيدة تنبض بالدعاء الصادق والشوق المحبوب، وتكشف عن جانب إنساني شفيف في شخصية الشاعرة يتسع للمحبة والاحتفاء بالجمال أينما حل.
جَمَالٌ مُبْهِرٌ فِي الرُّوحِ وَالفِكْرِ*
ويَجْمَعُنَا كَأَصْدَافٍ مِنَ البَحْر
وَنَجْمٌ ساطعُ الأَنْوَارِ يَغْمُرُنا *
يَرُشُّ الحُسْنَ فِي الأَشْعَارِ كَالقَطْرِ
يَظَلُّ مَدَارُهُ يَهْدِي ٠ مَرَاكِبَنَا
قَنَادِيلًا بِإبْداعٍ لَهَا تُغْرِي
نَذُوقُ العَذْبَ مِنْ إلقائه نَغَمًا*
يَذُوبُ حَلَاوَةً فِي رَوْعَةِ الجَهْرِ
فَيَلْقَى رَوْضُنَا الأَحْجَارَ* مُزْهِرَةً
وَتَسْمَعُهُ فَيَحْيَا الرَّجْعُ فِي الصَّخْرِ
دَعَوْنَا اللهَ قَبْلَ الحَجِّ في أَمَلٍ*
دُعَاءَ مَحَبَّةٍ يَزْدَادُ في العَشْر
نُنَاجِيهِ لِيَشْفِيَهُ فيَنَفَحَنَا *
رَوَائِعَ سَاحِرَاتِ الأُنسِ لِلْفَجْرِ
وأَيَّامٌ تَمُرُّ بِنَا وَلا طَيْفٌ * لِحَرْفٍ صَادِقِ النَّغَمَاتِ أَوْ زَهْر
وَنَشْتَاقُ الوُرُودَ إِلى مَنَاهِلِه *
لِنُسْعِدَهُ. وَ يُسْعِدُنَا شَذَا الشِّعْر
فَكُنْ يَا رَائِعَ الحَرْفِ* ابْتِسَامَاتٍ
وَأَنْسَامًا، تُعيدٌ الرُّوحَ
لِلْعُمْر
ويَأْتِي العِيدُ خَفَّاقًا بِأَجْنِحَةٍ *
يُصَافِحُ كُلَّ مَنْ يَلْقَاهُ فِي بِشْرِ
صَبَاحُكَ يا جمال لَهُ انْزِيَاحَات*
وَيُهْدِي يَوْمَنَا فَوَّاحَةَ العِطْرِ
أما قصيدة "جسر من الحب"، فهي وثيقة قومية وثقافية ترسم معالم الوحدة الفكرية بين أقطار الأمة. يتجلى الجمال الفني في ربط المكان بالإنسان، فبغداد تصغي لأسيوط، والنيل يصافح دجلة، والدين ينتهي إلى إبراهيم عليه السلام.
جِسْرٌ مِنَ❤ الحُبِّ
احتفاءً بصدور الكتاب النقدي الرائع للأستاذ
الدكتور محمود محمد علي رئيس قسم الفلسفه في جامعة أسيوط حول دراسة النتاج الفكري للأديب والعالم والمفكر الإسلامي العراقي الكبير دكتور صالح الطائي
أبارك لهما،وتحية مني لهما وللمكتبة العربية
- جِسْرٌ مِنَ الحُبِّ يُهدي مَاطِرَ السُّحُبِ
بَغدادُ أصْغِي إلى أسْيوطَ وارْتَقِبٰي
. هٰذَانِ طَوْدَانِ مِنْ عِلْمٍ قَدِ اجْتَمَعَا
والحبُّ بَيْنَهُما فَيْضٌ مِنَ الْكُتُبِ
. حَضَارَةٌ أَعْطَتِ الدُّنْيَا أصَالَثَها
والدِّينُ يَبْدَأُ بابْراهيمَ
في النَّسَب
. وَالنِّيلُ فِي مِصْرَ أَهْدَاها تَفَرَدَهَا
وَالمَوْجُ أَغْدَقَ آلَافًا مِنَ الحِقَبِ
. قَالُوا وقد صَدَقُوا .. أَقْوَالُهُم دُوَلٌ
إِنَّ الثَّقَافَةَ نَهْجُ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ
. مِصْرٌ تُؤَلِّفُ،
والإتْقُانُ دَيْدَنُها
لُبْنَانَ يَطْبَعُ سِحْرَ المُبْدِعِ الأَرٍبِ
. بَغْدَادُ والشَّامُ عُشَّاقٌ، إذَا قَرَؤُوا
فالْفِكْرُ يُخْصِبُ أبْعَادًا مِنَ العَجَبِ
. كُنَّا نُفَكِّرُ نَرْعَى نَبْضَ أُمَّتِنا
فاجْتَاحَنَا الغَرْبُ بِالتَّشْتِيتِ وَالغَضَبِ
. قَالُوا: رَبِيعّ وَبئْسَ القَوْلُ قَوْلُهُم
قَدْ مَزّقُوْنا،
كَأَشْياعٍ بِلا سَبَب
.مَهْمَاالأَعَادِي إِلَى تَفْرِيقِنَا اجْتَمَعُوا
فَالشّرُّ يَسْقِي حَدِيثَ المَكٓرِ
بالْكَذِبِ
.للسِّلْمِ إِنْ جَنَحُوا فَالرٌوْضُ يَفٌضَحهم
إذْ يَجْرِفُونَ جُذُورَ التِّيْنٍ وَالْعِنَبِ
. هٰذَا العِرَاقُ بِإِخْلَاصٍ لَنَا رَحِمٌ
وَالعُرْبُ يَحْمِلُ أَسْيَافًا
مِنَ الخَشَبِ
. مِصْرُ الكِنَانَةُ مَنْ بِالعِلْمِ
خَالَطَهَا
يَلَقَ التَّنَوَّعَ من فِكْرٍ وَيَكْتَسِبِ
.مَا أَثْمَنَ العِلْمَ وَالطَّائِيُّ يُصَنِّفُهُ
أَسْيُوطُ تَعْرِفُهُ كَنْزًا مِنَ الذَّهَبِ
. والعِلْمُ عَيْنٌ وَسِحْرُ العَيْنِ كُحْلَتُهَا
وَالنَّقْدُ مِرْوَدُ ذَاكَ العَالَمِ
الخَصِبِ
. لَا تُنْكِرُوا ما بنى النُّقَّادُ مِنْ زَمَنٍ
وَالنَّقْدُ باتَ
شِرَاعَ المُبْدِعٍ الأَرِبِ
. إمَّا يَسِيرُ بِهِ هَوْنًا فَيُنٌصِفُهُ
أَوْ يَسْتَهِيْنُ بِمَا عَانَاهُ مِنْ نَصَبِ
. أَسيُوطُ جَامِعَةٌ فيها
أَسَاتِذَةٌ
تَزهُو بِهِم مِصْرُنَا مِنْ خِيْرَةِ نُجُبِ
. يَا بَاحِثِينَ عَنِ الْأَضْوَاءِ فِي شَغَفٍ
تَبْقَى الثَّقَافَةُ مِثْلَ العَيْنِ وَالهُدُبِ
فالكَاتِبُ الصًالِحُ التًفكِيرٍ كَحَّلَهَا
والنًاقِدُ البَارِعُ المَحْمُودُ لَمْ
نلاحظ أن الشاعرة لم تكتفِ بالاحتفاء بالمنتج النقدي والفلسفي للمبدع، بل وظفت الشعر ليكون شراعًا ينصف المبدعين ويفضح الساعين لتفريق الأمة. التراكيب جليلة، والموسيقى تتلاحق بنغمة حماسية راقية ترتكز على القافية المكسورة الدالة على الانكسار الحضاري والمطالبة بالاستعلاء عليه.
وفي قصيدة "هي الأنثى.. هي امرأة.. هي الأم"، نجد سفرًا شعريًا خالداً في تكريم المرأة عبر مراحل حياتها المختلفة. تتجلى قوة القصيدة في شمولية الرؤية وعمق الاستيعاب الديني والاجتماعي؛ فمن الطفلة التي تقفز كالحجل، إلى الزوجة ذات الميثاق، فالأم التي تدفق الحنان وتؤثر أطفالها على المجد المادي.
هِيَ الْأُنْثَى. هِيَ امْرَأَةٌ ،
هِيَ الْأمُّ
أُمٌّ تُهَدْهِدُ أَطْفَالاً فَلَا تَسَلُوا
عَنْ سُنَّةِ اللهِ لَوْلَاهَا لَمَا نَسَلُوا
وَالْأَرْضُ يَعْمُرُهَا زَوْجَانِ مُذْ هَبَطَا
مِنٌ جَنَّةِ الخُلْدِ شَرْعُ اللهِ مُتَّصِلُ
شَطْرٌ مِنَ الْعُمْرِ أُنْثَى في تَقَافُزِهَا
فِي حِضْنِ أسرتٌهْا تَلْهُو كَمَا الْحَجَلُ
ثُمَّ اسْتَوَتْ فِي رَبِيعِ الْعُمْرِ اِمْرَأَةً
وَالنَّشْءُ فِي يدهَا يَنْمُو وَيَكْتَهلُ
فَانْظُرْ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْعَقْلِ مُعْتَبِراً
وَاحْمِلْ نَصِيبَكَ فِي التَّكْلِيفِ يَا رَجُلُ
إِنْ جِئْتَهَا زَوْجَةً فَالرُّوحُ قَدْ لَبِسَتْ
مِيثَاقَ عُمْرٍ ، وَفِيهِ الْمُرُّ وَالْعَسَلُ
كَمْ زَوْجَةٍ تَرَكَتْ فِي عُشِّها عُمُرًا
وَالْعُشُّ يَبْنِيهِ مِنْقَارَانِ لَا الْكَسَلُ
لَوْ قُلْتَ أُمًّا فَهٰذَا الْحُلْمُ يُدْفِئُهَا
كُلُّ الْفَضَائِلِ عِنْدَ الْأُمِّ تُخْتَزَلُ
تَعَلَّمَتْ بَلَغَتْ في العِلْمِ ذِرْوَتَهُ
تَسْمُو وَتَعْلُو بِأَمْجَادٍ لَهَا تَصَلُ
وَقَدْ تَغَادِرُ مَجْدًا ما تَزَالُ بِهِ
إِنْ كَانَ أَطْفَالُهَا يُؤْذِيهِمُ
الْعَمَلُ
فَالْعِلْمُ مَأْمَنُهَا فِي خَلْقِ مُجْتَمَعٍ
يَزْهُو بِهِ وَطَنٌ بِالْخُلْقِ يَكْتَحِلُ
فَالْأُمُّ نَهْرٌ، عَلَى الشَّطَّيْنِ مُغْدِقَةٌ
شَمْسٌ تُضِيءُ وَأَشْجَارٌ لَهَا ظُلَلُ
فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ عطرٌ
أَزَاهِرَهَا
تَرْعَى . السَّنابٍلَ لَا يَنّتَابُهَا بَلَلُ
تَعَالَ نَخْطُو مَعَ الْأُنْثَى ورٍقّتَها
تَحْلُو رَحِيقًا وفيها العِشْقُ يَكْتَمِلُ
إِنْ قُلْتَ أُخْتِي فَحَلِّقْ فِي سَمَا حُلُمٍ
صَدْرٌ حَنُونٌ وَحِضْنٌ مَا
بٓهِ بَدَلُ
أَوْ قُلْتَ شَاعِرَةً فَالْحُبُّ دَوْحَتُهَا
وَالْمِسْكُ أَحْرُفُهَا ، وَالنَّبْضُ يُرْتَجَلُ
أَوْ قُلْتَ بِنْتِي فَعَذْرَاءٌ مُجَنَّحَةٌ
تَغْفُو بِحِضْنِكَ فِيهِ النُّصْحُ وَالْغَزَلُ
زَوَّجْتُهَا.. فَأَتَى الْأَسْبَاطُ
فِي فَرَحٍ
أَغْنَوْا رَصِيْدًا بِقَمْحِ الْحُبِّ يَشْتَعِلُ
قَالَتْ مُعَانِقَةً لِلْأُمِّ تَحْضُنُهَا
قَدْ صِرْتُ أُمّاً إِلَى الرَّحْمَنِ أَبْتَهِلُ
أَقُولُ رَبَّاهُ بَارِكْ وَالِدَيَّ فَقَدْ
كَانَا رَبِيعِي وَكَمْ فيهِ ازْدَهَتْ قُبَلُ
أَنَا وَإِنْ بَلَغَا في العُمْرِ أَرْذَلَهُ
سُكْنَاهُمَا عِنْدِي
وَرِضَاهُما أَمَلُ
يَا مَنْ دَعَوْتَ إِلَى يَوْمٍ
تُكَرِّمُهَا
تَرْنُو إِلَيْهِ ،لَعَلَّ الْجُرْحَ يَنْدَمِلُ
اَلْأُمُّ مَدْرَسَةٌ، وَالْأُمُّ مُؤْنِسَةٌ
تُعْطِي وَمِنْهَاأَمْانُ الروحِ يَنْهَمِلُ
هِيَ الْحيَاةُ.. ومِنْ أَنْوَارِهَا سَطَعَتْ
شَمْسُ الْوُجُودِ، وَفِيهَا يَبْزُغ الْأَزَلُ ..
هكذا اتسمت القصيدة بالتلوين العاطفي الناعم، وينساب برفق ورقة متناهية تنتهى بالتضرع والاعتراف بفضل الوالدين، معتمدة على اقتباسات واضحة من التراث والواقع لترسيخ مكانة الأم كمدرسة ومؤنسة غالية.
وفي قصيدة "لؤلؤة"، تهيم الشاعرة عشقًا في لغة الضاد، وتصوغ لها أحدث التحايا وأرقها. النص درة بيانية حقيقية، أظهرت فيه برهافة حسها ومكانتها اللغوية الشاهقة سحر العربية وجمال جرسها وصرفها ونحوها. التميز الفني يبرز في أنسنة اللغة ومخاطبتها كحبيبة جورية نضرة، والربط المحكم بين نزول القرآن بها وبين خلودها.
تَبْدُو كَلُؤْلُؤَةٍ تَسَامَتْ
مَنْظَرا
بَيْنَ اللُّغَاتِ كَمَا الْخَيَالِ مُحَيِّرَ
وَالْكَوْكَب الدُّرِّيُّ نُورٌ يَزْدَهِي
بِحُرُوفِهَا وَعَنِ الْمَحَاسِنِ
أَسْفَرَا
وَهَتَفْتُ إِنِّي قَدْ عَشِقْتُ صبِيَّةً
جُورِيَّةً نَثَرَتْ عَبِيرًا نَيِّرَا
فَرَنَا الْجَمِيعُ إِلَى جَنَاهَا مُغْدِقًا
وَلِبَحْرِهَا غَيْمًا بِسِحْرٍأَمْطَرَا
بِحَدِيثِهَا بَيْنَ الْأَحِبَّةِ أَنتَشِي
وَبَيَانُهَا يُعْطِي الْجَمَالَ مُقَطَّرَا
وَحَلَاوَةٌ وَطُلَاوَةٌ فِي جَرْسِهَا
فَيْضٌ مِنَ الْأَلْحَانِ يَشْدُو فِي الْذُّرَا
أَصْوَاتُهَا عزَفَتْ بِأَنْغَامِ الْصَّبَا
فَهَوَى الْفُؤَادُ مُعَانِقًا واخْْضَوْضَرَا
وَاخْتَارَهَا ربِّي لِتَحْمِلَ هَدْيَهُ
سُبْحَانَ مَنْ مَنَحَ الْبَيَانَ وَيَسَّرَا
كَمْ لَيْلَةٍ لَمَعَتْ بُرُوْقُ بَلَاغَةٍ
ِبِقِرَاءَة القُرْآنِ فَجْرًا نَوَّرَا
مَنْ يَحْتَرِمْ كَنْزَ الْجُدُودِ مُجَدِّدًا
فَكَأَنَّمَا رَدَّ الْجَمِيلَ مُكَرَّرا
***
يَا لَائِمِي فِي حُبِّهَا هَيَّامَعِي
نَتَذَوَّقِ الْحَرْفَ الْعَظِيمَ مُعَطَّرًا
وَلْنَمْشِ فِي دَرْبِ الْخَلِيلِ مَوَاكِبًا
رَكِبَتْ عَلَى نَغَمِ الْعَرُوضِ الْأَبْحُرَا
فَتَمَوْسَقَ الشِّعْرُ الْأَصِيلُ بِلَحْنِهَا
وَرَوِيُّهُ أضفى جَمَالًا أَبْهَرَا
وَيْلٌ لِأَقْوْامٍ تَنَاسَوْا مجدَهَمْ
وَكَمِ اشْتَرَوْا بَخْسًا فَبِئْسَ الْمُشْتَرَى
***
الْعِزُّ فِي لُغَتِي وَلَنْ أَرْضَى بِهَا
بَدَلًا يُقَزِّمُ سِحْرَهَا كَيْ يَكْبَرَا
وَالْعِلْمُ عِنْدَ العَالِمِينَ تَنَافُسٌ
لَكِنْ أَتَانِي عَاذِلًا وَمُحَذِّرَا
هَذِي الْحَبِيبَة تَسْتَدِرُّ عَوَاِطِفِي
وَتُحِيلُ دَمْعًا في الْمَآقي أَنْهُرَا
لَا تَسْقِنِي كَأْسَ العُلا مِنْ غَافِلٍ
رَضِيَ الْحَضَارَةَ والْهُوِيَّةَ مَعْبَرَا
فِي يَوْمِهَا ردُّوا إِلَيْهَا فَضْلَهَا
لَا تَنْصُرُوا خِطَطًا تَرُدُّ الْقَهْقَرَى
***
وَمُجَدِّدٍ يُعَلِي الْبِنَاءَ بِنَغْمَةٍ
تَبْنِي وَتَحْكِي لِلْمَشَاعِرِ مَا جَرَى
وَالنَّثْرُ فِي زَهْوٍ يَسِيلُ (فَوَاعِلًا)
مِنْ حُسْنِ نَغْمَاتٍ وَقَوْلٍ أَزْهَرَا
هُوَ نَاثِرُ الْمَعْنَى بِمُوسِيقَى ارْتَقَتْ
بِخَيَالِ مُبْدِعِهَا فَنَضَّدَ جَوْهَرَا
وَلَقَدْ مَرَرْتُ عَلَى الْحَبِيبَةِ أَشْتَهِي
وَصْلًا وَفِي قَلْبِي عَطَاءٌ أَثْمَرَا
سَرَتِ العُذُوبَةُ فِي سَلَاسَةِ نَحْوِها
وَتَرَقْرَقَتْ صَرْفًا فَكَانَتْ كَوَثَرَا
غَنَّتْ وَنَادَتْ فِي الْفَضَا: أيقُونَتي
أَجْمِلْ بعِشْقكِ، وَالْهوَى مَا أَعْطَرَا
فَالنَّحْوُ فِيمَا تَنْثُرِينَ مِنَ الشَّذَا
قَدْ قَرَّبَ الْأَحْبَابَ مِنِّي أعْصرا
وَسَكَبْتُ سِلْسَالَ الْمَحَبَّةِ جَدْوَلًا
وَالْعِلْمُ مِنْ نَبْعٍ لَدَيْكِ تَبَلْوَرَا
لُغَتِي، سَلَامُ اللَّهِ يَحْفَظُهَا لنا
لِوُجُودِنَا فِكْرًا سَتَبْقَى الْمِنْبَرَا
نلاحظ أن الشاعرة استخدمت ألفاظًا تتضوع مسكًا وعنبرًا، وجاءت الأبيات متماسكة الصياغة، عذبة الألفاظ، لتعكس اعتزازًا يقينياً بالهوية الأصيلة.
وفى قصيدة "من وحي البحر"، تستحيل الأمواج والدفاتر إلى مناجاة فلسفية وإيمانية شفافة. تتجلى نقطة الجمال في استغلال الغروب والشواطئ لترجمة لواعج الحزن والهموم الإنسانية إلى طمأنينة وتضرع. الانتقال من بناء القلاع الرملية وهدمها كرمز للفناء، إلى إثبات بقاء الصداقة والعهد الصادق، يمنح النص بعدًا عميقًا يسبر أغوار النفس، لتنتهي القصيدة ببركان من الغضب على الانحلال، متوجًا بدعاء خاشع يبتهل إلى الله لإصلاح الأمة وسداد الخطى.
البحرُ يروي حكاياتٍ بلا كتبِ
والشطُّ يُصغي لهُ كالمدنفِ التعِبِ
يا بحرُ هذي دموعي جئتُ أذرفُها
أخفي لواعجَ حزني في صدى الصخب
هذي السماء على مرآتك انعكستْ
سحرًا شفيفًا من الفيروز لم يغبِ
عند الشواطئِ نرمي همَّنا أملًا
أن يُغرِقَ الموجُ كلَّ الهمّ في اللُّجٌب
نغوصٌ في الرملِ والأقدامُ عاريةٌ
والروحُ ترقى إلى العلياءِ من عجب
وإنْ أصخْنا لصوتٍ نحنُ نسمَعُه
فالرملُ يحكي حكايا الموجِ للسُّحُب
نبني قلاعًا، وما ننفكّ نهدمُها
كأنّ في هدمِها السلوى لمُكتئب
عند الغروبِ يلوحُ الغيمُ منتشيًا
وحمرةُ الأفْقِ، تطوي ثوبَ مُنسحِب
تبوحُ نفسٌ بما في النفس من حِكَمٍ
إنّ الصداقةَ حصنُ العمر في النوَب
إنّا سنحفظُ عهدًا طابَ موثقه
كما يطيب وثاق الجفنِ للهدُب
هذي الحياةُ بحارٌ كم بها لججٌ
فالنفس تائهةٌ ،والجسمُ في تعَب
تصفو القلوبُ إذا ما آنستْ طربًا
والروحُ تسحرُها ترنيمةُ الطرب
أمّا إذا طالَها غدرٌ بلا سببٍ
أمسَتْ حُطامًا كتمثالٍ من الخشب
يامنْ رنوتَ إلى الآصال مبتهلًا
سبحانَ من صاغها وشيًا من الذهبِ
ادعُ الإلهَ بروحٍ منكَ خاشعةٍ
إنْ تَدعُهُ أملًا بالعفوِ يستجبِ
رباه إن ذنوبَ الخلقِ قد عظُمتْ
واستفحل الخطبُ طوفانًا من النُّوَب
قد ضاقت النفسُ ذرعًا بانحلالِهِم
والروحُ تنفثُ بركانًا من الغضب
ياربُّ أكرمْ بإصلاحٍ لأمتنا
وسدِّدِ الخطوَ، وامنحْ حسنَ مُنقلب
أما قصيدة "تسامح لا ينفد"، فيظهر فيها الحس العالي والتدقيق اللغوي الذي تتميز به الدكتورة وجيهة، حيث جمعت بين اللفتة النقدية التصحيحية في هامشها وبين البث الوجداني المحزن في أبياتها. تصوّر القصيدة المأساة الصامتة لأم سقطت وتألمت وظلت تعاني الجفاء، لكن قلبها المفعم بالرحمة يظل يلهج بالدعاء لبنيها ألا يعذبهم الله بجفائهم. التميز هنا يكمن في البساطة الممتنعة والتأثير النفسي المباشر الذي يحرك مكامن الشفقة والبر في وجدان القارئ.كتبت:
وقعت على بلاط المطبخ ليلا .وظلت حتى الصباح حين اتى ابنها يطلب رضاها، قبل ذهابه الى العمل.
**
تسامحٌ لا ينفد
جُرْحٌ تَغَلْغَلَ فِي الضُّلُوعِ أَلِيمَا
بِفُؤَادِ أُمٍّ مَايَزَالُ رَحِيمَا
وَتَكَدَّسَتْ سُحُبُ السِّنِينَ بِقَلْبِهَا
فَهَفَا إِلَى حُلْوِ اللِّقَاءِ قَدِيمَا
أَيَّانَ كَانَ الْجَمْعُ يَلْهُو اصَاخِبًا
وَالْحُبُّ يَمْلأُ بَيْتَهَا تَرْنِيمَا
وَحَنَانُهَا يُزْجِي الأَمَانِي بَيْنَهُمْ
حُبًّا وَعَدْلًا لِلْوَفَاءِ مُقِيمَا
دَعَتِ الإِلَهَ بِحُرْقَةٍ وَتَبَتُّلٍ
كَيْلا يَعُدَّ جَفَاءَهُمْ تَأْثِيمَا
وَرَجَتْهُ أَنْ يَرْعَى الْبَنِينَ بِعَيْنِهِ
فَهُوَ الْكَرِيمُ، وَمَا يَزَالُ رَحِيمَا
وَتَتَابَعَتْ دَعَوَاتُهَا فِي لَهْفَةٍ
تَرْضَى وَتَسْأَلُ فِي الْعَطَاءِ عَظِيمَا
فَبِحَقِّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَحَثَّنَا:
(صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَا)
وادْعُوا لَهَا، وَتَسَابَقُوا فِي حُبِّهَا
لاتُهْمِلُوا فِي حَقِّهَا التَّكْرِيمَا
هَذَا مِثَالٌ لِلأُمُومَةِ صَادِقٌ
لَنْ نَسْتَطِيعَ لِحُبِّهَا تَقْوِيمَا*
رَقَّتْ وَسَامَحَتِ الْبَنِينَ لِهِجْرِهِمْ
فَادْعُوا لَهَا، وَقِفُوا لَهَا تَعْظِيمَا
رُدُّوا الْعَطَاءَ مُضَاعَفًا
تَرْضَوْنَهَا
* هامش مهم: تقييم من الأخطاء الشائعة فالتقويم لكلا المعنيين: ة.لإصلاح
وإعطاء القيمه وليس في اللغة مادة ف.ي.م.
===========
الخلاصة ، إن شعر الدكتورة وجيهة السطل يمثل نموذجًا فريدًا للشعر التعليمي والوجداني والحضاري الأصيل. إنها تعيد للشعر العربي الفصيح هيبته ورصانته دون أن تُفقد الشعر طراوته وعاطفته الصادقة. وتتنقل بين بحور الشعر بتمكن لغوي مشهود، بمقدرة على أن تجعل من حروفها محرابًا للجمال، ومظلة للدفاع عن قضايا الأمة، ومدارس في البر والوفاء والاعتزاز بالدين واللسان العربي المبين.
شامخ الشندويلى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض