رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المشهد الذي لا تلتقطه العدسة

في الشارع المصري حكايات كثيرة لا تصل إلى الكاميرا، ولا تجد طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنها تكشف جانبًا مهمًا من واقع المجتمع، فالكاميرا غالبًا ما تلتقط المشهد اللافت، والموقف الغريب، واللحظة المثيرة، بينما تبقى خلف الصورة تفاصيل إنسانية واجتماعية أكثر عمقًا.

قد نرى شخصًا يعبر الطريق، أو عاملًا يؤدي عمله، أو أسرة تجلس في أحد الأماكن العامة، لكننا لا نعرف ما الذي سبق هذه اللحظة، ولا الظروف التي يعيشها أصحابها، ولا القصص التي يحملها كل إنسان خلف ملامحه.

 

لماذا تحول الشارع إلى شاشة مفتوحة؟

أصبح الهاتف المحمول حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وأصبحت الكاميرا جزءًا من المشهد العام، تصوير المناسبات والمواقف الطريفة والمشاهد غير المعتادة لم يعد أمرًا استثنائيًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التصوير من توثيق اللحظة إلى مراقبة الناس، أو نشر صورهم ومواقفهم دون مراعاة لخصوصيتهم وكرامتهم، فليس كل ما يمكن تصويره ينبغي نشره، وليس كل مشهد عابر يصلح لأن يتحول إلى مادة للفرجة والتعليق.

 

الحكاية خلف الإنسان

وراء كل وجه في الشارع قصة قد لا نعرفها، الرجل الذي يبدو غاضبًا ربما يحمل همًا لا يراه أحد، والمرأة التي تبدو شاردة ربما تفكر في مشكلة أسرية، والعامل الذي نراه يؤدي عمله في حرارة الشمس ربما بدأ يومه قبل أن نستيقظ، لذلك فإن قراءة المجتمع من خلال الصور وحدها قد تمنحنا انطباعًا سريعًا، لكنها لا تمنحنا بالضرورة فهمًا حقيقيًا، الإنسان أكبر من لقطة، والحياة أكثر تعقيدًا من مقطع قصير.

 

من التوثيق إلى الحكم

المشكلة ليست في الكاميرا ذاتها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها، فعندما تُنشر صورة لشخص في موقف محرج، يبدأ الجمهور أحيانًا في إصدار الأحكام والسخرية دون معرفة الحقيقة أو ملابسات الموقف، وهنا يتحول التصوير إلى محاكمة اجتماعية غير عادلة، يصبح فيها صاحب الصورة مطالبًا بالدفاع عن نفسه أمام جمهور لا يعرفه، وقد تنتشر صورة خلال دقائق، بينما يحتاج صاحبها إلى وقت طويل لتصحيح أثرها 

أو إزالة الانطباع الذي تركته.

 

ما لا نراه أهم مما نراه أحيانًا

تحتاج قراءة الشارع المصري إلى الانتقال من ثقافة المشاهدة السريعة إلى ثقافة الفهم، فالمشهد الاجتماعي لا يمكن اختزاله في فيديو قصير أو صورة عابرة، هناك قضايا تتعلق بالتربية، والاحترام، والخصوصية، والوعي الرقمي، وطريقة تعاملنا مع الاختلاف بين الناس، كما أن بعض الظواهر التي تبدو فردية قد تكون مؤشرًا على تغيرات أوسع في أنماط السلوك والعلاقات بين الأجيال.

 

الكاميرا مسؤولية قبل أن تكون وسيلة

أصبح من الضروري التعامل مع التصوير في الأماكن العامة بدرجة أكبر من الوعي والمسؤولية، ويبدأ ذلك من احترام خصوصية الآخرين، وعدم تحويل لحظات ضعفهم أو ارتباكهم إلى مادة للضحك، وعدم نشر صور أو مقاطع يمكن أن تسيء إلى أصحابها، كما ينبغي أن ندرك أن الحصول على المشاهدات لا يمنح الإنسان حق انتهاك كرامة إنسان آخر.

 

توصيات من خارج إطار الكاميرا

نحتاج إلى نشر ثقافة مجتمعية تؤكد أن احترام الإنسان يسبق الرغبة في الحصول على المشاهدة، ويمكن للمدارس، والجامعات، ومؤسسات الإعلام ومنصات التواصل أن تسهم في تعزيز الوعي بأخلاقيات التصوير والنشر، خاصة لدى الأجيال الأصغر سنًا، كما ينبغي أن يتعلم مستخدمو وسائل التواصل التحقق من سياق الصور والمقاطع قبل إعادة نشرها، وألا تتحول التعليقات إلى مساحة للتشهير أو التنمر أو إصدار الأحكام.

 

ومن المهم أيضًا أن تتعامل وسائل الإعلام مع صور الشارع باعتبارها مادة تحتاج إلى تفسير وسياق، لا مجرد وسيلة لجذب الانتباه، فالمهنية الإعلامية لا تقاس فقط بقدرة الصحفي على الوصول إلى الصورة، وإنما بقدرته على فهم ما وراء الصورة، والتحقق من المعلومات، وحماية كرامة الأشخاص الذين يظهرون فيها.

 

الحكايات الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى كاميرا

ربما نحتاج اليوم إلى أن ننظر إلى الشارع المصري بعين مختلفة؛ عين لا تبحث فقط عن اللقطة المثيرة، وإنما عن الإنسان الموجود خلفها، فهناك حكايات عن الكفاح، والمسؤولية، والصبر، والتكافل، والاختلاف، وأحيانًا عن أخطاء نحتاج إلى إصلاحها، لكنها جميعًا تستحق أن تُفهم قبل أن تُحكم.

 

فالشارع ليس مسرحًا مفتوحًا للفرجة، والإنسان ليس مادة مجانية للمحتوى، وبينما تستطيع الكاميرا أن تحفظ الصورة، يظل الوعي وحده قادرًا على فهم الحكاية.

 

ويبقى السؤال، عندما نرفع الكاميرا لالتقاط لحظة من حياة شخص آخر، هل نسأل أنفسنا أولًا ماذا لو كنت أنا صاحب هذه الصورة؟