ليست قيمة الدول بما تملكه من مال وسلاح فقط، ولا بعدد التحالفات التي تبنيها في أوقات الاستقرار، فهناك قيمة أخرى لا تظهر كاملة إلا عندما تضيق الخيارات، وتصبح المصالح الحيوية مهددة، ويكتشف الجميع أن بعض الدول قد يمكن الاختلاف معها، ولكن يصعب تجاوزها عندما تحين لحظة الخطر.
هذا المعنى أعادت إليه زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة أمس قدرا ً كبيرا ًمن الأهمية. فالزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد تصاعد الهجمات على المملكة، وارتفاع مستوى التهديد الحوثي، واتساع الخطر في البحر الأحمر وباب المندب، بما جعل الأزمة تتجاوز حدود اليمن والسعودية إلى أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقبل الوصول إلى القاهرة، كانت الرياض قد بحثت عن دعم أكبر من حلفائها وشركائها. ووفق ما نشرته وسائل إعلام دولية، لم تحصل السعودية من الولايات المتحدة على التدخل العسكري المباشر الذي طلبته ضد الحوثيين، بينما لم يتحول الموقف الباكستاني إلى تدخل عسكري إلى جانب المملكة. وبعد أيام جاءت القاهرة محطة رئيسية في التحرك السعودي.
ولا يحتاج الأمر إلى وصف الزيارة بأنها استغاثة، ولا إلى القول إن ولي العهد جاء مهرولا ً إلى مصر؛ فترتيب الوقائع أبلغ من الكلمات، والتوقيت في السياسة كثيرًا ما يقول ما لا تقوله البيانات الرسمية.
والتاريخ يحمل مفارقة تستحق التأمل .. ففي ستينيات القرن الماضي، عندما خاضت مصر حرب اليمن دعمًا للجمهورية الجديدة، وقفت السعودية إلى جانب الملكيين الذين كانوا يقاتلون الجمهوريين المدعومين من القاهرة. وبعد أكثر من ستة عقود تغير اللاعبون والتحالفات، لكن اليمن والجغرافيا بقيا في مكانهما؛ وأصبحت الرياض تواجه خطرا ً قادما ً من الاتجاه نفسه، بينما أصبحت القاهرة شريكا ً لا يمكن تجاهله في معادلة أمن البحر الأحمر.
ولا يعني ذلك أن مصر تقدم معروفا ً للسعودية؛ فأمن باب المندب مصلحة مصرية أصيلة. وكل سفينة تُجبر على الابتعاد عن البحر الأحمر هي خسارة محتملة لقناة السويس، وكل اضطراب في هذا الممر يقترب مباشرة من الأمن الاقتصادي والقومي المصري.
لكن الدرس يتجاوز أزمة اليوم. فقد تختلف الدول مع مصر، وقد تتباعد عنها حين تبدو البدائل كثيرة، لكن الأزمات الكبرى تعيد ترتيب الحسابات. فعندما تضيق مساحة المناورة، وتكتشف الدول أن المال والسلاح والتحالفات الدولية ليست ضمانا ً مطلقا ً، تعود حقائق الجغرافيا وموازين القوة إلى الواجهة.
ومصر، بتاريخها وموقعها وثقلها العسكري والسياسي، ليست دولة يمكن تجاوزها في معادلات المنطقة. وهذه ليست دعوة إلى المبالغة في تقدير الذات، وإنما إلى إدراك قيمة ما نملك وكيف نحسن استخدامه.
فالدول لا تُقاس فقط بمن يقف إلى جوارها في أيام الرخاء، وإنما أيضًا بمن يبحث عنها عندما تأتي أيام الشدة.
والتاريخ قد يغيّر الأدوار ؛؛؛ لكنه نادرا ً ما يغيّر قيمة الجغرافيا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض