رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ورش ومصانع مغلقة وعمال مهددون:

الأثاث.. صناعة فى خطر

سوق المناصرة
سوق المناصرة

استيراد الأخشاب.. ارتفاع تكاليف الطاقة.. النقل والشحن والتكنولوجيا أهم المشكلات

غرفة النوم الشعبية بـ25 ألفًا والجيدة بـ80 ألفًا والشباب أحجموا عن الزواج

 

كانت صناعة الأثاث واحدة من أبرز الصناعات التى اشتهرت بجودتها ومهارة صناعها، وشكلت مدينة دمياط لعقود طويلة رمزًا لهذه الحرفة العريقة ومركزًا رئيسيًا لإنتاج الأثاث فى مصر والمنطقة العربية، إلا أن هذه الصناعة، التى كانت مصدر رزق لآلاف الأسر، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تهدد مستقبلها، فى ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الخامات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل.

ولم تتوقف آثار أزمة هذه الصناعة عند حدود ارتفاع الأسعار داخل المعارض أو تراجع حركة البيع والشراء، بل امتدت إلى الورش والمصانع التى تمثل القلب النابض للصناعة، فمع تصاعد الأعباء المالية وتراجع الطلب، بات العديد من أصحاب الورش غير قادرين على تغطية تكاليف التشغيل أو الوفاء بأجور العمال، ما دفع بعضهم إلى تقليص نشاطه، بينما اضطر آخرون إلى إغلاق ورشهم نهائيًا. 

وفى المقابل، غادر عدد من الحرفيين المهنة بحثًا عن مصادر دخل أخرى، فى مشهد يعكس حجم الضغوط التى تواجه واحدة من أعرق الصناعات المصرية.

جولة فى المناصرة.. معارض مفتوحة وزبائن غائبون

داخل سوق المناصرة، أحد أشهر أسواق الأثاث فى القاهرة، رصدت كاميرا «الوفد» حالة من الركود غير المسبوق، فالمعارض تفتح أبوابها يوميًا، لكن الشوارع بدت شبه خالية من المشترين، بينما جلس أصحاب المحال فى انتظار زبائن لا يأتون، بعدما أدت الزيادات المتتالية فى الأسعار إلى تراجع حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ.

وعبر عدد من المواطنين عن استيائهم من الارتفاع الكبير فى أسعار الأثاث، مؤكدين أن تجهيز منزل أصبح يمثل عبئًا يفوق قدرات الكثير من الأسر والشباب المقبلين على الزواج.

وقال أحمد، 35 عامًا، إنه يجهز للزواج منذ عامين وما زال غير قادر على استكمال تجهيزات زواجه بسبب ارتفاع الأسعار، وأضاف «غرفة النوم وحدها أصبحت تساوى تكلفة زواج كاملة منذ سنوات قليلة، والأسعار خلال السنوات الماضية ارتفعت بصورة غير مسبوقة».

فيما أكد ماهر، 38 عامًا، أن أسعار الأثاث ارتفعت بشكل مبالغ فيه مقارنة بمستويات الدخل، لافتًا إلى أن بعض الخامات لم تعد بنفس الجودة السابقة رغم ارتفاع الأسعار، وأضاف إذا استمرت الأسعار بهذا الشكل، ستصبح فكرة الزواج نفسها صعبة على عدد كبير من الشباب.

أصحاب المعارض: الركود يسيطر على السوق

المشكلة لا تمس المستهلكين أو المقدمين على الزواج فقط، ولكنها تمس أصحاب الورش ومصانع الأثاث الذين وجدوا أنفسهم أمام تراجع كبير فى حركة البيع والشراء، بل إن مستقبل صناعتهم نفسه بات مهددا، وهو ما أكده صلاح صاحب أحد معارض الأثاث، مشيرا إلى أن السوق يشهد حالة ركود شديدة فى ظل تراجع حركة البيع والشراء، مرجعًا ذلك إلى مجموعة من العوامل فى مقدمتها الأوضاع الاقتصادية الحالية، وارتفاع سعر الدولار، فضلًا عن الحروب والأزمات العالمية التى انعكست على أسعار الخامات.

وأضاف أن بعض كبار التجار يساهمون فى تفاقم الأزمة من خلال احتكار الخامات وتخزينها لفترات طويلة، ثم طرحها فى الأسواق عند ارتفاع الأسعار لتحقيق مكاسب أكبر، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على أوقات الأزمات فقط، بل تحدث أحيانًا حتى فى فترات استقرار السوق، حيث يتم استغلال أى أخبار أو توقعات بزيادة الأسعار لرفع أسعار الخامات بشكل مبالغ فيه.

وأوضح أن العملاء أصبحوا يبحثون عن أقل سعر ممكن مع الحفاظ على الجودة، وهو أمر يصعب تحقيقه فى ظل الارتفاع الكبير فى تكلفة الخامات. 

وأشار إلى أن أقل غرفة نوم شعبية جاهزة تبدأ من نحو 25 ألف جنيه، بينما تتراوح أسعار غرف النوم المصنوعة من خامات جيدة بين 70 و80 ألف جنيه، وقد تبدأ بعض الغرف المصنعة بالعمولة من نحو 60 ألف جنيه.

وأكد أن سوق المناصرة لم يعد يتمتع بالحركة التجارية التى كان يشهدها فى السابق، لافتًا إلى أن الركود الحالى أثر بشكل مباشر على أصحاب المعارض والورش، خاصة من يتحملون تكلفة العمالة والإيجارات والخامات، ما دفع عددًا من الورش والمصانع إلى الإغلاق بسبب عدم القدرة على تغطية النفقات.

وطالب بفرض رقابة أكبر على الأسواق والخامات والتصدى للممارسات الاحتكارية، مؤكدًا أن ضبط الأسواق ومراقبة كبار التجار من شأنه المساهمة فى استقرار الأسعار وإنعاش الصناعة.

وأضاف أن انخفاض سعر الدولار وحده لا يكفى لخفض الأسعار، لأن بعض التجار لا يعكسون هذا الانخفاض على أسعار الخامات، ما يستدعى تدخلًا رقابيًا لضمان التزام الجميع بأسعار عادلة.

وأشار إلى أن أصحاب المعارض يضطرون أحيانًا إلى شراء الخامات أو المنتجات بأسعار مرتفعة للحفاظ على توافر البضائع داخل معارضهم وتلبية احتياجات العملاء، حتى لا تتضرر سمعة المعرض أو يفقد زبائنه.

وأوضح أن أسعار الأنتريهات الشعبية تبدأ من نحو 25 ألف جنيه، بينما تبدأ أسعار غرف السفرة الشعبية الكاملة من نحو 27 ألف جنيه وتزداد وفقًا للخامات والتشطيبات لتصل لـ٤٥ ألف جنيه.

واتفق مجدي، صاحب معرض آخر، فى الرأى السابق مشيرا إلى أن السوق يشهد حالة ركود كبيرة، موضحًا أن العملاء كانوا فى السابق يبحثون عن الجودة والخامات المتميزة، بينما أصبح معظمهم اليوم يركز على السعر الأقل بما يتناسب مع إمكاناته المادية، وأضاف أن ارتفاع الأسعار دفع كثيرًا من الأسر إلى تأجيل شراء الأثاث أو الاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات.

انعكاس للوضع الاقتصادى

من جانبه، قال محمد شبراوي، عضو شعبة الأثاث، إن الأزمة الحالية هى انعكاس مباشر للأوضاع الاقتصادية العامة، موضحًا أن المواطنين أصبحوا يوجهون دخولهم لتغطية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وعلاج، بينما تراجعت أولويات شراء الأثاث وتجديد المنازل.

وأضاف أن ارتفاع تكاليف الزواج ساهم أيضًا فى تراجع الطلب على الأثاث، خاصة مع صعوبة إقدام الشباب على الزواج فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

وأشار إلى أن أصحاب الورش يواجهون أعباء متزايدة تشمل ارتفاع أسعار الخامات والكهرباء وأجور العمال والتأمينات والرسوم المختلفة، موضحًا أن أجر العامل المتخصص يصل إلى نحو 600 جنيه يوميًا.

وأكد أن الورشة الصغيرة التى تضم خمسة أو ستة عمال تحتاج إلى آلاف الجنيهات يوميًا لتغطية الأجور فقط، بخلاف تكلفة الخامات والمرافق، ما يدفع العديد من أصحاب الورش إلى الإغلاق بعد عجزهم عن الاستمرار.

وأضاف أن عددًا من الحرفيين اضطروا إلى ترك المهنة والاتجاه إلى أعمال أخرى أكثر استقرارًا بعد تراجع حجم العمل وانخفاض الدخل بصورة كبيرة.

وشدد على أن إنقاذ صناعة الأثاث يرتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية واستقرار سعر الدولار وخفض تكاليف الإنتاج، بما يسهم فى إعادة التوازن إلى السوق وتحفيز المواطنين على الشراء.

ارتفاع الخامات يهدد الصناعة

وفى تفسيره لأسباب الأزمة، قال الدكتور صالح عزب، الخبير الاقتصادي، إن صناعة الأثاث تواجه تحديات حقيقية نتيجة الارتفاعات القياسية فى أسعار المواد الخام، وعلى رأسها الأخشاب، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتقلبات أسعار العملات الأجنبية.

وأوضح أن أسعار الخامات ارتفعت بأكثر من 20% خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن اعتماد الصناعة بشكل شبه كامل على استيراد الأخشاب والمواد الخام يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمات العالمية.

وأضاف أن القطاع يواجه تحديات أخرى تتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن، فضلًا عن ضعف التحديث التكنولوجى داخل عدد كبير من المصانع والورش، ما يقلل من قدرتها التنافسية محليًا وعالميًا.

هل يمكن إنقاذ الصناعة؟

وأكد الخبير الاقتصادى أن إنقاذ صناعة الأثاث ما زال ممكنًا من خلال تبنى حزمة من الإجراءات العاجلة، تشمل إنشاء مراكز لوجستية لدعم الصادرات، وتنويع مصادر استيراد الأخشاب، ومنع الممارسات الاحتكارية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، بالإضافة إلى التوسع فى استخدام البدائل المحلية ومخلفات النخيل لتقليل فاتورة الاستيراد.

ورغم التحديات الكبيرة التى تواجه القطاع، يؤكد العاملون به أن صناعة الأثاث المصرية ما زالت تمتلك خبرات متراكمة وسمعة جيدة فى الأسواق، إلا أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدى إلى خروج المزيد من الورش والمصانع من السوق، ما يجعل إنقاذ هذه الصناعة ضرورة اقتصادية واجتماعية للحفاظ على مصدر رزق آلاف الأسر المصرية.