تأملات
ربما حسم المهندس عبدالصادق الشوربجى، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام فى حواره الأخير مع «الأهرام» جانبًا من الجدل حول مصير المؤسسات الصحفية القومية بنفيه لما يتردد بشأن دمج هذه المؤسسات، غير أنه فتح بابًا آخر للجدل حول مصير مؤسسة دار المعارف التى أشار إلى أنها تندرج ضمن مشروع الدمج الوحيد الذى تعكف الهيئة على دراسته حاليًا مع الشركة القومية للتوزيع. لم يفصّل الشوربجى فى شكل هذا الدمج والذى يبدو أنه قيد الدراسة، وهو ما يدفعنا وآخرين للتعبير عن أملنا بألا يمس بذلك الكيان العريق وهو دار المعارف، والذى لا يقل فى تصورنا فى قيمته الوطنية والتاريخية وحجم إسهامه عن مؤسسة روز اليوسف أو دار الهلال واللتين تعدان كما أشار من أقدم المؤسسات الصحفية فى مصر حيث تجاوزت الأولى المائة عام والثانية المائة والخمسين، حيث تعود نشأة دار المعارف لنحو 136 عامًا.
على المستوى الشخصى ترتبط دار المعارف فى ذاكرتى بتلك السلسلة التى كنت أقتنيها من طفولتى وهى سلسلة «اقرأ»، ولكن الأهم والأشمل فى إطار حديثنا هو دورها الذى أدته بشكل عام للثقافة والمعرفة فى عالمنا العربى وليس فى مصر وحدها. فى حدود قراءاتى كانت تذهلنى تلك الحالة التى يشار فيها إلى دار المعارف حيث كانت إصداراتها - حتى فترة للأسف غير قريبة - تمثل المراجع الأساسية فى أغلب الدراسات العلمية وغير العلمية فى كافة المجالات، حتى إنك لينتابك حالة من الذهول من تصور أن النشر بالعربية لم يكن يقوم عليه سوى جهة واحدة هى «دار المعارف». هذا على مستوى تاريخ المؤسسة وعراقتها، أما الحاضر وصياغة الوضع فى المستقبل، فربما يمكن التعامل معه بأفكار مختلفة ليس من بينها اندثار اسم وإسهام الدار سواء على الصعيد الثقافى أم الصحفي.
صحيح أن المؤسسات الصحفية لاعتبارات عديدة فى كل أنحاء مصر تشهد تغيرات تؤثر على أدائها وتجعل منها عبئًا ماديًا على صعيد التمويل، وهو ما تجتهد الدولة ممثلة فى الهيئة الوطنية للصحافة فى التعامل معه، غير أن هناك كيانات يتجاوز ضرورة الحفاظ عليها وتطويرها هذا الجانب بكثير ومنها دار المعارف التى مثلت وربما ما زالت رافدًا من أهم روافد الثقافة فى مصر. ولعله مما يطمئن فى تصريحات الشوربجى رغم ما تفتحه من باب للقلق إشارته إلى وضع الشركة القومية للتوزيع والتراجع فى دورها المتمثل فى توزيع الإصدارات فى الخارج، وهو ما قد يعنى دون أن يكون فيما نقول استباقًا للأحداث أن تصور الدمج يقوم على إلحاق الشركة القومية للتوزيع بدار المعارف مع الحفاظ على هذا الكيان الأخير وهو ما حدث فى تجارب سابقة تمثلت فى إلحاق مؤسسات إعلامية تواجه خسائر وتعثر بأخرى قومية.
بعيدًا عن فكرة كيفية إدارة الاصول، وهو أمر أشار إليه الشوربجي، فربما يكون مما عزز المخاوف بشأن دار المعارف تلك الطريقة التى تم التعامل بها معها لمواجهة التراجع فى عوائدها من خلال تأجير بعض جنباتها لتتحول إلى معارض للأجهزة الكهربائية، وهو تعامل ربما انتابه قدر من القصور فى إطار حقيقة أن حركة النشر فى عالمنا العربى ما زالت تمثل مجالًا مناسبًا لتحقيق أرباح أو نوع من أنواع «التعادلية» إذا ما أحسن التعامل معها وهو الوضع الذى يشير إليه صعود عدد غير محدود من دور النشر العربية بل والمصرية. هذا النوع من التفكير أتصور أنه موجود لدى القائمين على الدار وأشار اليه رزق عبد السميع رئيس مجلس إدارة الدار فى حوار سابق له لتظل «دار المعارف» كما كانت أحد أبرز المشروعات الثقافية لبناء الوعى المصرى والعربي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض