لا للفضح أو التشهير.. الأزهر يكشف متى يجوز تصوير الآخرين بعد فتاة البيرة
أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن تصوير الآخرين دون وجه حق يمثل تعديًا على الخصوصية وانتهاكًا لحق الغير، مشددًا على أن لكل إنسان خصوصيته التي يجب احترامها، ولا يجوز تحويل الأخطاء أو المواقف العابرة إلى مادة للفضح والتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء ذلك في تعليق مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية عبر صفحته الرسمية، أوضح خلاله الضوابط الشرعية المتعلقة بتصوير الأشخاص، خاصة عند وقوعهم في مواقف قد يراها البعض مخالفة أو محرجة، مؤكدًا أن حفظ الحقوق وتوثيق الوقائع لا يعني إباحة نشر الصور والتشهير بأصحابها.
الخصوصية حق معتبر لكل إنسان
وأوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الخصوصية حق معتبر لكل الناس، وأن الاعتداء عليها يُعد أذى وانتهاكًا لحق الغير، لافتًا إلى أن تصوير الشخص في بيته، أو في مكان يظن فيه أنه في مأمن من أعين الناس، أو في موقف يكره أن يُصوَّر فيه، يُعد تعديًا، حتى لو لم يتم نشر الصورة أو الفيديو.
واستشهد الأزهر بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وبقول سيدنا رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وهو الحديث الذي أخرجه ابن ماجه.
متى يجوز تصوير الآخرين لإثبات تجاوزاتهم؟
وفيما يتعلق بالحالات التي يمكن فيها اللجوء إلى تصوير الآخرين، أوضح الأزهر للفتوى أن الحاجة إلى تصوير شخص لإثبات اعتداء، أو توثيق حادث، أو حفظ حق، أو تقديم دليل إلى جهة مختصة، ونحو ذلك من المصالح المعتبرة، قد تجعل التصوير جائزًا بقدر الحاجة.
واستند المركز في ذلك إلى القاعدتين الفقهيتين: «الضرورات تبيح المحظورات»، و«الضرورة تُقدَّر بقدرها»، موضحًا أن تقدير الضرورة والحاجة يكون بقدرها، بحيث لا يتجاوز الإنسان الحد اللازم لتحقيق الغرض المشروع.
وشدد الأزهر على أن التوثيق لا ينبغي أن يتحول إلى فضح وتشهير، كما أن حفظ الحق لا يجوز أن يتحول إلى ابتزاز، فلا يصح أن يُزال ضرر ويحل محله ضرر مثله أو أعظم.
تصوير الشخص لإثبات واقعة لا يعني نشر صورته
وأكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن وجود مبرر لتصوير شخص بهدف إثبات واقعة أو حفظ حق، لا يعني بالضرورة إباحة نشر الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الحاجة إلى التصوير لا تبرر في غالب الأحوال نشر الصورة أو إظهار وجه الشخص وبياناته أو السخرية منه والتشهير به، لأن التصوير في هذه الحالة يتحول من وسيلة لحفظ الحق إلى أداة للإيذاء وانتهاك الخصوصية.
الأزهر يحذر من تداول صور الآخرين دون إذن
وشدد الأزهر للفتوى على أن تداول الصور أو المقاطع المصورة دون إذن أصحابها، أو إعادة نشرها ومشاركتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا يقل خطورة عن التعدي بالتصوير من الأساس.
وأشار إلى أن تعثر شخص أو وقوعه في موقف محرج لا يعني أن خطأه أصبح ملكًا للمتفرجين، لأن إعادة نشر هذه المواقف تسهم في انتشار الضرر وتوسيع دائرة التعدي وانتهاك الخصوصية.
وحذر المركز من أن الرغبة في المشاهدة أو زيادة التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن تكون سببًا في إيذاء الناس أو التشهير بهم.
الستر على المخطئ لا يعني تبرير الخطأ
وأوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الستر على الناس عند وقوع الخطأ قد تكون فيه، في كثير من الحالات، مصلحة للفرد والمجتمع، مؤكدًا أن الستر لا يعني تبرير الخطأ أو إقراره.
وأضاف أن الستر قد يكون عونًا للمذنب على الإقلاع عن ذنبه، وللمخطئ على الرجوع عن خطئه، فضلًا عن حفظ كرامته من أن تتحول زلته العابرة إلى وصمة تلاحقه وتلاحق أهله وأولاده.
واستشهد المركز بقول سيدنا رسول الله ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وهو حديث متفق عليه.
ضوابط تصوير الآخرين عند الضرورة
ووجه الأزهر للفتوى إلى ضرورة مراعاة مصلحة الناس وحقوقهم عند التصوير، موضحًا أنه إذا كان التصوير بهدف حفظ حق، أو دفع ضرر، أو توثيق واقعة معتبرة، فينبغي الاقتصار فيه على قدر الحاجة، ثم إيصاله إلى الجهات المعنية.
وشدد على عدم تجاوز الغرض المشروع إلى التشهير أو الإيذاء، أما إذا لم تكن هناك حاجة تستدعي التصوير، فالأولى أن يعرض الإنسان عن تصوير الناس وتتبع عثراتهم، وأن يستر ما رآه ولا يزيد أذاهم بنشره أو تداوله.
النهي عن تتبع عورات الناس
واستشهد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بقول سيدنا رسول الله ﷺ: «يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه»، أخرجه أبو داود.
كما استشهد بقول الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12].
كما ورد عن سيدنا رسول الله ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أخرجه أحمد.
حياة الإنسان الخاصة ليست مشاعًا للجميع
واختتم مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالتأكيد على أنه لا ينبغي للإنسان أن يجعل حياته العامة مشاعًا أو شيئًا مباحًا للجميع، مشددًا على أن لكل إنسان خصوصيته وحقه في أن تُصان كرامته.
وأكد أن تصوير الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحويل اللحظات العابرة والأخطاء إلى مادة للتداول والتشهير، بل يجب أن يراعي الإنسان حقوق الآخرين وكرامتهم، وأن يفرق بين توثيق واقعة لحفظ حق وبين نشرها بقصد الإيذاء أو زيادة التفاعل.
وبذلك وضع الأزهر ضابطًا واضحًا في مسألة تصوير الآخرين، مفاده أن الحاجة المعتبرة قد تبيح التصوير في حدودها، لكن هذه الحاجة لا تفتح باب التشهير أو الابتزاز أو نشر الصور والبيانات، وإنما يكون المقصود هو حفظ الحقوق ودفع الضرر دون إحداث ضرر آخر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

