أتابع اليوم فى مقالى، الذى بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب «رجل الأقدار» الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، ويوثق مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت فى هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيساً للجمهورية، وانتهيت فى مقالى السابق عند تزايد الضغوط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهدف إرغامه على تسليم السلطة، وكان المحرك الرئيسى لهذه التحركات هو جماعة الإخوان المسلمين.
ويحكى المشير طنطاوى أنه خلال تلك الفترة كان اللواء عبدالفتاح السيسى هو صمام الأمان داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، من خلال المحادثات التى كانت تتم بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين. كذلك كان للمخابرات الحربية دور كبير فى متابعة الأحداث داخل الشارع المصرى، من خلال تواجد عناصرها داخل تجمعات الحشود الإخوانية، حيث تسلل العديد من ضباط المخابرات الحربية بين هذه الحشود، فكانت المعلومات والتقارير تصل إلى المشير طنطاوى بصورة دقيقة عن سير الأحداث، وخاصة ما يتعلق بتحركات جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، وتحليل أبعاد تحركاتهم خلال الفترة التالية.
وكان اللواء عبدالفتاح السيسى يفتتح اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعرض تقرير مفصل عن الأوضاع الداخلية فى البلاد، وكانت هذه التحليلات فى أغلب الأحيان دقيقة، حتى أصبحت الأساس الذى يبنى عليه المجلس العسكرى قراراته خلال تلك المرحلة.
وخلال فترة تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور كمال الجنزورى فى 7 ديسمبر 2011، بذل اللواء عبدالفتاح السيسى جهداً كبيراً لإقناع جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين بعدم الاشتراك فى حكومة الجنزورى، حيث كان هدفه أن تمر المرحلة الانتقالية بهدوء حتى يتم استكمال الإجراءات الانتخابية التالية.
وفى 28 سبتمبر 2011 أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الإعلان الدستورى الخاص بإجراء الانتخابات، ثم أجريت انتخابات مجلس الشعب بنزاهة وشفافية، وكانت نتائج المرحلتين الأولى والثانية مؤشراً واضحاً على تفوق التيار الإسلامى، فازدادت قوته، وبالتالى تزايد دور اللواء عبدالفتاح السيسى الذى كان يقوم بعملية اتصال مباشر بين المجلس العسكرى والتيار الإسلامى، سواء مع جماعة الإخوان المسلمين أو السلفيين، لدرجة أنه كان يتواصل معهم عدة مرات يومياً.
حتى بدأت قيادات جماعة الإخوان المسلمين خلال تلك الفترة تشعر بقوة الدور الذى يقوم به اللواء عبدالفتاح السيسى داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولاحظ المرشد العام للجماعة أن السيسى أصبح رجل المرحلة التالية داخل القوات المسلحة، وأكد لقيادات الجماعة ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال معه.
وفى شهر مارس 2012 بدأت اجتماعات مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين تأخذ منحى جديداً، حيث تقرر تفويض المهندس خيرت الشاطر لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية، وهو القرار الذى جاء مخالفاً لما كانت الجماعة قد أعلنته من قبل بعدم تقديم مرشح للرئاسة. وأكد الدكتور محمد مرسى، رئيس حزب الحرية والعدالة، الذى كان مرشحاً احتياطياً للمهندس خيرت الشاطر، أن هذا القرار ليس تغييراً فى مبادئ الجماعة، وإنما جاء وفقاً للمستجدات الداخلية والخارجية.
وفى تلك الفترة كان رأى المشير طنطاوى هو رفض ترشح أى من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة لانتخابات رئاسة الجمهورية، وكان هذا الرأى متوافقاً تماماً مع رأى اللواء عبدالفتاح السيسى، الذى كان يرى أيضاً أن الأفضل هو ألا تجرى انتخابات رئاسة الجمهورية قبل الانتهاء من إعداد دستور جديد للبلاد.
وخلال تلك الفترة كان اللواء عبدالفتاح السيسى أول من تنبه إلى مشكلة الفراغ الإعلامى الذى بدأت الدولة تعانى منه، وبالأخص المجلس الأعلى للقوات المسلحة. لذلك اقترح تعيين اللواء سمير فرج مسئولاً عن الإعلام خلال تلك المرحلة، كما اقترح إنشاء محطة إذاعية تكون منبراً لعرض الحقائق أمام الشعب المصرى. كذلك تمت الموافقة على تعيين متحدث عسكرى رسمى تابع لإدارة المخابرات الحربية، ليكون واجهة جديدة للتواصل مع الشارع المصرى، وذلك إلى جانب اللقاءات المتفرقة التى كان يجريها أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع مختلف وسائل الإعلام.
وفى حوار خاص لجريدة «الأيام» مع حرم الرئيس محمد مرسى، بعد تركه منصب رئاسة الجمهورية، قالت إنه بعد أحداث 25 يناير وتولى القوات المسلحة إدارة شئون البلاد عقب تنحى الرئيس مبارك، كان أول اتصال بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما ذهب كل من الرئيس محمد مرسى والمهندس خيرت الشاطر إلى وزارة الدفاع، حيث كان أول اجتماع لهما مع اللواء عبدالفتاح السيسى.
وأضافت أن اللواء عبدالفتاح السيسى أبلغهما بأنه مدير المخابرات الحربية، وأنه مكلف من رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالالتقاء بهما والاستماع إلى أفكارهما ورؤيتهما.
وتقول حرم الرئيس مرسى فى الحوار إن اللواء عبدالفتاح السيسى، بعد دخوله قاعة الاجتماع، طلب من مسئولى البوفيه سؤال الحاضرين عما يرغبون فى تناوله، فطلب الجميع القهوة والشاى، بينما لم يطلب هو شيئاً. فسأله الرئيس محمد مرسى: «حضرتك مش هتشرب حاجة معانا ولا إيه؟» فرد اللواء السيسى: «النهارده الاتنين، وأنا بصوم الاتنين والخميس من وأنا عندى عشر سنين».
وأضافت أنه خلال اللقاء كان اللواء عبدالفتاح السيسى يستشهد بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة. وبعد انتهاء الاجتماع وعودة الرئيس محمد مرسى والمهندس خيرت الشاطر إلى المرشد العام للجماعة، قالا له: «لقد التقينا اليوم برجل فاضل، يصوم الاثنين والخميس، ويحفظ القرآن، ويستشهد دائماً بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أنه سيكون خير رجل لنا فى المجلس العسكرى».
Email: [email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض