جغرافيا النار واقتصاد الغلاء.. كيف تهدد التوترات الإقليمية استقرار الأسواق؟
لم تعد تداعيات الصراعات والأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تتوقف عند حدود السياسة والأمن، وإنما امتدت بصورة مباشرة إلى الاقتصاد وحركة التجارة والأسواق، في ظل ارتباط المنطقة بعدد من أهم ممرات الملاحة العالمية ومصادر الطاقة، وهو ما يجعل أي توتر جديد قابلًا للانتقال سريعًا من ساحات الصراع إلى حركة التجارة وأسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والطاقة.
وفي منطقة تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية، تكتسب الممرات البحرية الاستراتيجية أهمية مضاعفة، إذ إن أي تهديد لحركة الملاحة أو احتمالات تعطل أحد هذه الممرات يثير مخاوف بشأن سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن وتدفق السلع، بما يفرض ضغوطًا جديدة على الاقتصادات التي تعاني في الأساس من تداعيات أزمات متلاحقة خلال السنوات الماضية.
وتأتي مصر في قلب هذه المعادلة بحكم موقعها الجغرافي ودورها المرتبط بحركة التجارة العالمية، الأمر الذي يجعل التطورات التي يشهدها البحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية محل اهتمام مباشر، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية وتعدد الملفات التي تشهد تصعيدًا سياسيًا وعسكريًا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول قدرة الأسواق على تحمل تداعيات أي اضطراب جديد في حركة التجارة والطاقة.
الحرب والتوترات
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد قنديل، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحرب والتوترات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب احتمالات إغلاق مضيق هرمز، انعكست بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية، وأسهمت في الارتفاع الكبير بأسعار عدد من السلع والخدمات.
وأوضح قنديل أن تداعيات الأزمة شملت ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود بمختلف أنواعه، فضلًا عن زيادة تكاليف الكهرباء وارتفاع معدلات التضخم، مؤكدًا أن استمرار التوترات الإقليمية يمثل ضغطًا إضافيًا على اقتصادات دول المنطقة، في ظل ارتباط حركة الأسواق بما يحدث على المستوى الإقليمي والدولي.
وأشار نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن تأثير الأزمات لا يرتبط فقط بالسلع التي يتم تداولها داخل الأسواق، وإنما يمتد إلى تكلفة حركة التجارة والنقل والطاقة، فكلما زادت المخاطر التي تواجه خطوط الملاحة، ارتفعت الضغوط المرتبطة بالتجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على تكلفة السلع والخدمات.
تهديدات ممرات الملاحة تحت المجهر
وأضاف قنديل أن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال قمة «بريكس» يحمل أهمية كبيرة، خاصة في ظل التطرق إلى التهديدات التي تواجه ممرات الملاحة والتجارة العالمية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، باعتباره أحد الممرات المهمة لحركة التجارة الدولية.
وتكتسب قضية الملاحة أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة، حيث إن استقرار الممرات البحرية يمثل عنصرًا أساسيًا في استمرار حركة التجارة وتدفق السلع بين الأسواق، بينما يؤدي أي اضطراب في حركة الملاحة إلى زيادة المخاطر والتكاليف أمام الشركات والدول، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على المستهلك النهائي.
ومن هنا، فإن حماية ممرات التجارة الدولية لا ترتبط فقط بأمن الدول والمناطق التي تمر بها السفن، وإنما تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، خاصة في ظل اعتماد الأسواق على سلاسل إمداد مترابطة، تجعل أي أزمة في منطقة استراتيجية قابلة للتأثير على أسواق بعيدة عنها جغرافيًا.
الدبلوماسية المصرية في مواجهة التصعيد
وعلى المستوى السياسي، أشار الدكتور أحمد قنديل إلى أن الموقف المصري يتوافق مع مسار الدبلوماسية والحوار في الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن مصر تدعم الحلول السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد وتجنب تداعياته على المنطقة.
ويعكس هذا الموقف أهمية البحث عن مسارات سياسية تسمح بخفض حدة التوترات، خاصة أن استمرار التصعيد لا ينعكس فقط على الجوانب الأمنية والسياسية، وإنما يحمل تداعيات اقتصادية تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة والملاحة، بما يزيد الضغوط على دول المنطقة ومواطنيها.
ومع استمرار حالة عدم الاستقرار في الإقليم، تصبح التهدئة والحوار من الأدوات الأساسية للحد من اتساع دائرة التداعيات، خاصة أن أي تصعيد جديد قد يضيف أعباءً اقتصادية إلى أزمات قائمة بالفعل، سواء على مستوى الأسعار أو الطاقة أو حركة التجارة الدولية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

