تأملات
بعد أن كنا نتحدث الأسبوع الماضى عن خلاف بريطانى إسرائيلى بشأن تجارة السلع مع المستوطنات وصل لحد تهديد إسرائيل باتخاذ إجراءات عقابية ضد لندن إذا ما أقدمت على فرض عقوبات على خلفية هذه القضية، فإن القضية تتطور بسرعة هذا الأسبوع حتى تكاد أن تتحول إلى أزمة كبرى فى علاقة إسرائيل مع عدد من الدول الغربية عموما، الأمر الذى يثير التساؤلات بشأن أبعاد هذه الأزمة ومساراتها فى الفترة المقبلة.
الملاحظ أن التصعيد هو السمة المميزة لتطور رد الفعل من قبل طرفى الأزمة، حيث لم تتوان إسرائيل عن تنفيذ تهديداتها فراح وزير خارجيتها ساعر يعلن أن بلاده ستغلق القنصلية البريطانية فى القدس ردا على موقف بريطانيا. فى المقابل فإن لندن ولكى لا تبدو منفردة وسّعت من نطاق تحركها ليتحول موقفها إلى ما يشبه تحالفا يضم 12 دولة تعتزم اتخاذ الموقف ذاته التى اتخذته بريطانيا، وكانت البداية الفعالة من فرنسا التى أكد وزير خارجيتها اعتزام باريس إنهاء علاقاتها التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية.
ولعل ذلك يكشف عن أن مساعى إسرائيل لابتلاع الضفة لن تمر بسهولة وأنها ربما تكون المعركة القادمة لإسرائيل ليس مع الفلسطينيين وحدهم وإنما مع المجتمع الدولى ككل. ولعل الرفض البريطانى وما يتبعه من موقف الدول الـ12 الأخرى يكشف عن إدراك هذه الدول لطبيعة المخططات الإسرائيلية والتى تسعى لدعم التهجير القسرى للفلسطينيين وتفريغ الضفة فضلا عن حقيقة أن المستوطنات تحول دون إقامة دولة فلسطينية متواصلة كما أشرنا فى مقالنا الأسبوع الماضى.
ورغم الرفض البريطانى الحاسم الذى كتل من ورائه نواة لموقف دولى غربى بالأساس يعتبر رمزيا إلا أنه من المتصور أن يلقى بتأثيره لجهة التأخير والحد من خطط إسرائيل بشأن المستوطنات موضع الخلاف وإن كان لن يلغيها. بمعنى آخر أن تل أبيب حال إدراكها خطورة المجابهة الحاصلة وتأثيرها على موقفها وصورتها الدولية والتى لحقت بها خسائر كبيرة بفعل الحرب على غزة ربما تتراجع تكتيكيا فى ظل حقيقة أنها تتمتع بتأييد الولايات المتحدة. يعزز هذا الطرح موقف وزير الخارجية الأمريكى روبيو من القضية محل الخلاف والذى بدا منحازا بشكل فاضح لإسرائيل حين راح يؤكد أن واشنطن لن تنضم إلى جهود بريطانيا لفرض عقوبات على المستوطنات معربًا عن أمله بعدم رؤية أى شىء يزعزع الأحداث أو يؤدى إلى زيادة التوترات حاليا فى الضفة ما يعنى دعوة ضمنية لتل أبيب لتهدئة الأمور بشكل مؤقت من أجل تجاوز موجة الغضب البريطانى والأوروبى لحين وجود الفرصة لإنجاز ما يتم تأجيله.
الغريب وسط كل ما يجرى هو وجود حالة من التغيب العربى الذى ربما يصل بك لحد تصور عدم وجود أزمة من الأصل رغم الصورة الخطيرة التى يقدمها وزير الخارجية البريطانى لحد إشارته أمام مجلس العموم فى بلاده على أن ما تقوم به إسرائيل فى الضفة يصل لحد التطهير العرقى فى الضفة الغربية على يد مستوطنين إرهابيين.
من المتوقع أن تزداد المعركة حدة فى الفترة المقبلة، والأمل أن يتواصل الموقف البريطانى بمساندة من نظرائه من الدول الأوروبية، دون أن يعنى ذلك أن نركن إلى أن هناك من يحارب عنا معركتنا، فالقضية الفلسطينية ومستقبلها وفى القلب منها إقامة دولة مستقلة هى الحل الوحيد الذى يمثل أساس استقرار المنطقة، بعيدا عن كونه يمثل حقا أصيلا للفلسطينيين وهو ما يعنى أن تكثيف الجهود العربية لدعم هذا التطور أمر بالغ الوجوب. كيف؟ هذا ما يتطلب التفصيل فى مرة مقبلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض