رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

 

انتشرت فى الفترة الأخيرة حوارات البودكاست على منصة اليوتيوب، وهى، كالعادة، ظهرت بكثرة فى أوروبا وأمريكا، وأخذناها عنهم، لأنهم دائما يسبقونا بعشر خطوات فى كل شيء من الإبرة للصاروخ!

والبودكاست وسيلة إعلامية رقمية وهى محاولة للهروب من استوديوهات الإعلام التقليدى بكل شروطه ومحاذيره.. وبديلة عن البرامج التليفزيونية الحوارية ( التوك شو) التى استمرت سنوات تحتكر صياغة وتوجيه الرأى العام!

وقد اتجه عدد كبير من الإعلاميين والصحفيين السابقين لإطلاق استوديوهاتهم الخاصة والاستفادة من هامش الحرية والمساحات الزمانية التى توفرها المنصات الرقمية، بعيدًا عن محاذير الرقابة الرسمية التليفزيونية!

ومع استقطاب هذه البرامج لكبار المسئولين من سياسيين ووزراء، سابقين ممن شغلوا مناصب فى مراحل تاريخية، تحول البودكاست من مجرد مساحة لحوارات ذاتية أو سرد للذكريات الشخصية إلى محاولة لـ «غسيل» سمعة عن مواقف وقرارات قديمة أو رجاء لإبراء الذمة من ماضٍ عليه الكثير من المآخذ، وبدلًا من الخجل منه يحاولون تبريره!

وعمومًا تتميز حوارات البودكاست؛ بجاذبية خاصة بأجوائها الحميمية وحالة الاسترخاء التى يشعر بها الضيوف، بعيدة عن ضغوط الاستوديوهات والمعدين والتوقيت المحدود، ولذلك يكونون أكثر صراحة وأكثرا تحررًا من قيود الإعلام التقليدى التى تجعلهم رسميين ويحاسبون على كلامهم الذى يمكن أن يحاسبوا عليه من جهات ما!

غير أن المتأمل فى مضمون هذه الحوارات يتلمس فى كثير من الأحيان سياقًا واحدًا يُشبه محاولات «غسيل السمعة» أو «إبراء الذمة» السياسية والاقتصادية. فالضيف المسئول يتحدث بأريحية شديدة عن محطات مفصلية اتُخذت فيها قرارات مصيرية مست حياة المواطنين، ليقدم روايته الأحادية لها، متسلحًا بأثر رجعى ما يبرر هذه السياسات الكارثية أو الاختيارات التى كانت مفروضة عليه من أعلى بأنها كانت «الخيار الوحيد المتاح»!

إن خطورة هذا النمط من البودكاست تكمن فى طبيعة الأسئلة وطريقة إدارتها؛ إذ يبتعد المحاور الإعلامى عن أسلوب المواجهة والصحافة الاستقصائية، مستبدلًا إياها بأسئلة «ناعمة» وموجّهة تُتيح للضيف تلميع صفحته دون مساحات حقيقية للمساءلة أو النقد. ويتم التركيز على الجوانب الإنسانية، والتضحيات الشخصية التى قدمها المسئول أثناء وجوده فى منصبه، ويغفل عمدًا، وربما باتفاق مسبق، عن النتائج المأساوية للقرارات على الأرض، سواء كانت أزمات اقتصادية متراكمة أو مواقف سياسية كارثية!

فى النهاية، يظل البودكاست وسيلة إعلامية ذات إمكانيات هائلة للتثقيف والتنوير، إلا أن استغلاله كمساحة لـ «إعادة تدوير المسئولين» وتقديم صكوك الغفران السياسية يفرغه من مضمونه، وإن كانت هذه الحوارات تمنح الضيوف فرصة لتبرئة الذمة أمام الكاميرا، فإنها بالتأكيد لن تمنحهم إياها أمام التاريخ، ولن تمحو ما فعلوه ولا يزال يؤثر فى حياة المواطنين حاليًا!

[email protected]