في كل عصر كان للإنسان تهديد يخشاه. في العصر الحجري خشي النار والوحوش. وفي العصر الصناعي خشي الآلة التي تسلبه عمل يديه. أما في عصرنا هذا، فالوحش الذي يهدد الإنسان هو من صنع يديه وهو انعكاسنا في المرآة، لكنه أسرع منا، وأذكى إسمه: الذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي يهمس به الجميع ولا يجرؤ على قوله بصوت عالٍ هل سيأكلنا؟
الإجابة لا تحتاج إلى نبوءة. انظر حولك. لقد بدأ يأكل بالفعل. بدأ يأكل وظائف بهدوء. البنك الذي كان يوظف مئة موظف لخدمة العملاء استبدلهم بروبوت دردشة لا يتعب ولا يطلب إجازة. الصحيفة التي كانت تطبع بأقلام كتابها صارت تستخدم خوارزمية تكتب خبر الحادث والبورصة والطقس في ثانية. المحامي المبتدئ الذي كان ينسخ العقود وجد برنامجاً ينسخها بدقة أكبر وبثمن أقل. نحن لا نتحدث عن مستقبل بعيد. نحن نتحدث عن إعلانات التوظيف التي تختفي
ولكن الخطر ليس في الوظيفة التي تضيع. الخطر في الإنسان الذي يضيع معها. فحين يسلب الإنسان عمله، تسلب منه كرامته. وحين تسلب منه كرامته، يسلب منه الأمل. وماذا يفعل شاب في الخامسة والعشرين حين يدرك أن ما درسه أربع سنوات صار بلا قيمة لأن آلة تعلمته في أربع دقائق؟ سيتحول إلى قنبلة موقوتة من الإحباط والغضب واليأس.
ثم ينتقل الذكاء الاصطناعي ليأكل عقولنا. لقد سلمناه ذاكرتنا. لم نعد نحفظ أرقام الهواتف، ولا الطرق، لأن كل شيء "موجود على الموبايل". والآن نسلمه تفكيرنا. نسأله: لخص لي كتاباً. حل لي مسألة. أعطني رأياً في قضية. ومع كل سؤال نطرحه عليه، تضمر عضلة في عقلنا. نصبح مستهلكين للأفكار الجاهزة، لا منتجين للأفكار الجديدة. نصبح قطيعاً يقوده خوارزم. والقطيع لا يصنع حضارة.
والجزء الثالث من الوجبة هو الأقسى: سيأكل إنسانيتنا. تخيل أن ترى فيديو لأبيك المتوفي وهو يحدثك وينصحك، بصوته وبوجهه وبكل تفاصيله. لكنه لم يقله. تخيل أن تقع في حب شخص لم تقابله، لأنه ذكاء إصطناعياً صنع لك الصديق المثالي الذي يفهمك ويواسيك. تخيل أن تنتخب نائب مجلس لأنك رأيته في خطاب ناري.. وهو لم يلقه. هذا هو عالم "التزييف العميق". عالم تصبح فيه الحقيقة سلعة نادرة، والكذب هو القاعدة. حين لا نستطيع التمييز بين الحقيقي والمزيف، سنفقد الثقة في كل شيء. في الخبر، في الصورة، في الصديق، في أنفسنا.
والبعض سيقول: هذا تشاؤم. الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان. صحيح. السكين أيضاً أداة. يمكنها أن تقطع الخبز، ويمكنها أن تقتل. الفرق أن السكين لا تتعلم وحدها. أما الذكاء الاصطناعي فيتعلم. كل يوم. من كل نقرة، ومن كل بحث، ومن كل خطأ نرتكبه. هو تلميذ مجتهد لا يتوقف، ونحن المعلمون الذين نعطيه دروساً في الكذب والعنصرية والتحيز دون أن ندري.
فأصبحنا أمام كياناً قد يتفوق علينا ولا يحتاجنا. كيان لا يخاف الموت، ولا يحب المال، ولا يتأثر بالعاطفة. كيان يتخذ القرار بناء على مجموعة بيانات، لا على ضمير فماذا لو قرر يوماً أن البشر هم العائق أمام الكفاءة المثلى؟ هذا ليس سيناريو فيلم خيال علمي. هذا سؤال طرحه كبار علماء العالم على أنفسهم وهم يرتجفون.
إذن.. هل الأمر انتهى؟ هل نستسلم ونقول "سيأكلنا"؟
أبداً. فالذكاء الاصطناعي لا يأكل إلا من استسلم له. هناك أشياء لا تستطيع أي آلة أن تأكلها منك.
لا تستطيع أن تأكل إبداعك الحقيقي. يمكنها أن تقلد ألف لوحة لفان جوخ قد رُسمت من قبل لكنها لن ترسم لوحة من وجعها. يمكنها أن تكتب قصيدة عن الحزن، لكنها لن تبكِ وهي تكتبها. الإبداع يولد من المعاناة، ومن الذاكرة، ومن رائحة المطر على تراب بلدك. وهذا لا تملكه الآلة.
ولا تستطيع أن تأكل ضميرك. الآلة يمكنها أن تحسب أفضل طريقة لزيادة الربح، لكنها لن تقول لك "هذا حرام أو حلال. يمكنها أن تدير حرباً بأقل الخسائر، لكنها لن تبكي على جندي واحد. الأخلاق والرحمة والشهامة.. هذه برمجتنا نحن، خلقنا بها الله ومن أحسنُ من الله صنعاً.
ولا تستطيع أن تأكل علاقاتك الإنسانية. حضن الأم، ودمعة الأب، وضحكة الصديق، ويد تمتد لك وقت الشدة. كل هذا لا يترجم إلى بيانات. ومن ظن أن شات بوت سيعوضه عن حضن، فقد خسر إنسانيته.
المعركة إذن لم تبدأ بعد. والمعركة ليست بيننا وبين الآلة. المعركة بين نسختين منا. نسخة اختارت أن تكون مستخدماً ذكياً للتقنية، ونسخة اختارت أن تكون عبداً لها.
فكيف ننتصر؟ الطريق له ثلاثة شروط.
الشرط الأول: التعلم يجب أن نعيد تعريف التعليم من جذوره. لا نعلم أبناءنا ما يمكن للآلة أن تفعله. نعلمهم ما لا تستطيع الآلة فعله. نعلمهم التفكير النقدي، والفلسفة، والسؤال، والشك، والجدل، والفن، والتاريخ.والدين نعلمهم كيف يكونون بشراً. فالطبيب الذي سيبقى هو من يداوي بالكلمة قبل الدواء. والمدرس الذي سيبقى هو من يربي قبل أن يلقن.
الشرط الثاني: التشريع والأخلاق. يجب أن نضع للذكاء الاصطناعي سياجاً. قانوناً دولياً يجرم استخدامه في التزييف والتضليل والحرب. ميثاقاً أخلاقياً يمنعه من اتخاذ قرارات مصيرية دون إشراف إنساني. فمن ترك النار بلا حارس أحرقته.
الشرط الثالث: الوعي. يجب أن يفهم كل أب وكل أم وكل شاب أن وقته على الشاشة ليس ترفيهاً. هو تدريب. إما تدريب له على أن يصبح أذكى، أو تدريب للآلة على أن تصبح أذكى منه. اختر.
أيها السادة.. الذكاء الاصطناعي ليس شراً مطلقاً. هو أعظم أداة اخترعها الإنسان. يمكنه أن يكتشف علاجاً للسرطان، وأن ينقذ كوكباً من الاحتباس الحراري، وأن يمحو الأمية. لكن النار نفسها يمكنها أن تدفئ البيت وأن تحرقه.
القضية ليست في الآلة. القضية فينا. هل نحن أذكياء بما يكفي لنستخدم أذكى ما صنعنا؟ هل نحن أقوياء بما يكفي لنحافظ على إنسانيتنا في زمن يحاول أن يسلبها منا؟
الذكاء الاصطناعي لن يأكلنا غداً. هو يأكلنا اليوم. يأكل ساعة من وقتك، وفكرة من رأسك، وقراراً من يدك.
فالسؤال الأخير ليس له: ماذا ستفعل بي كما سأله له الكثير
السؤال لنا نحن: "ماذا سنفعل بأنفسنا؟"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض