رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لفت انتباهي مؤخرا ً مقطع مصور يتحدث صاحبه عن تشابه مثير بين شعار «ChatGPT» وأحد الأشكال الهندسية التي ظهرت في فسيفساء رومانية قديمة في تونس، ثم انتقل من هذا التشابه إلى تفسيرات أكثر غرابة، تتحدث عن كائنات قديمة أو قادمة من خارج الأرض، وكأن ظهور الشكل قبل نحو ألفي عام دليل على أن وراءه سرا ً يتجاوز ما نعرفه عن التاريخ والعلم. وبعيدا ً عن صحة تلك التفسيرات، فقد أثار الأمر عندي سؤالا ً وجدته أكثر إثارة من الحكاية نفسها: لماذا تتكرر بعض الأشكال والرموز الهندسية في حضارات تفصل بينها آلاف السنين، ثم نراها مرة أخرى في تصميمات عصرنا الحديث؟
فالإنسان منذ بدأ الرسم والنقش والزخرفة لم تكن أمامه عناصر هندسية لا حصر لها. هناك الدائرة والمربع والمثلث والخط، وهناك التكرار والدوران والتناظر والتشابك. ومن هذه العناصر البسيطة صنع الرومان زخارفهم، وابتكر الفن الإسلامي عوالم هندسية بالغة التعقيد والجمال، وظهرت العقد والخطوط المتداخلة في فنون شعوب وحضارات أخرى. والمثير أن بعض هذه الأشكال يبدو لنا اليوم مألوفا ً إلى درجة أننا قد نتصور أننا رأيناه من قبل في شعار شركة أو تطبيق حديث.

لكن التشابه في الشكل لا يعني بالضرورة وحدة المصدر، تماما ً كما أن شخصين قد يصلان إلى الإجابة نفسها دون أن يكون أحدهما قد نقلها عن الآخر. فقواعد الهندسة واحدة، والعين البشرية تميل إلى التوازن والتناظر، والعقل يبحث بطبيعته عن النظام وسط الفوضى. ولذلك ليس مستغربا ً أن يصل فنان عاش قبل ألفي عام ومصمم يعمل أمام شاشة الكمبيوتر اليوم إلى تكوينات متقاربة، رغم أن كلا ً منهما ينتمي إلى عالم مختلف تماما ً.

وهناك أيضا ً جانب يتعلق بطريقة إدراكنا نحن للأشياء؛ فالعقل البشري شديد الميل إلى اكتشاف الصور والأنماط التي يعرفها مسبقا ً. فنرى وجها ً في تشكيلات السحاب، أو هيئة مألوفة في صخرة، أو رمزا ً حديثا ً داخل زخرفة قديمة. وكلما كان الشكل الحديث راسخا ً في ذاكرتنا، أصبح العثور على ما يشبهه في الماضي أكثر إثارة للدهشة. ولكن الدهشة شيء، والدليل شيء آخر.

وربما لا يكون المدهش حقا ً أن نجد الرمز نفسه، أو ما يشبهه، في حضارتين تفصل بينهما آلاف السنين، وإنما أن نجد الإنسان نفسه خلفهما؛ عينا ً تبحث عن التوازن، وعقلا ً يحب النظام، وخيالا ً يحاول أن يمنح الخط والدائرة معنى يتجاوز شكلهما. تغيرت الأدوات واللغات والحضارات، لكن الإنسان ظل يحمل في داخله كثيرا ً من القواعد نفسها التي يرى بها الجمال ويحاول بها ترتيب العالم من حوله.
ومن هنا يصبح تشابه فسيفساء قديمة في تونس مع شعار «ChatGPT» أمرا ً يستحق التأمل، ولكن ليس لأنه يثبت أن الذكاء الاصطناعي كائن قديم عاد إلينا، أو أن كائنا ً فضائيا ً ترك لنا رسالته منذ آلاف السنين؛ فليس لدينا دليل علمي أو تاريخي على شيء من ذلك. وإنما تكمن أهميته في أنه يفتح أمامنا بابا ً أوسع للسؤال عن الإنسان نفسه.
فربما كنا، ونحن نبحث عن سر تشابه الرموز عبر الزمن، نبحث في المكان الخطأ. وربما لا يكمن السر في الرمز الذي تكرر، وإنما في العقل البشري الذي صنعه.

وهنا يبقى السؤال: 
هل تتكرر الأفكار عبر التاريخ .. أم أن الذي يتكرر حقا ً هو الإنسان؟