شروط النصيحة.. 6 ضوابط شرعية لتقديمها دون تجريح أو ضرر
أوضحت دار الإفتاء المصرية شروط النصيحة وضوابطها الشرعية، مؤكدة أن نصح المسلم لأخيه يُعد من محاسن الأخلاق ومكارمها، ومن مقتضيات التناصح المشروع الذي حث عليه الشرع الشريف، مشددة على ضرورة مراعاة مجموعة من الآداب عند تقديم النصيحة؛ حتى تحقق مقصدها في الإصلاح دون أن تتحول إلى سبب للحرج أو التجريح أو الخصومة.
جاء ذلك في فتوى للدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، ردًّا على سؤال حول رجل اجتمع مع إخوته للتشاور في بعض الأمور العائلية، وخلال النقاش رفع أخوه الأصغر صوته على أخيهم الأكبر سنًّا، ويرغب في نصحه بعدم تكرار هذا التصرف، متسائلًا عن الشروط والضوابط التي ينبغي مراعاتها عند تقديم النصيحة.
نصح الأخ لأخيه من محاسن الأخلاق
أكدت دار الإفتاء أن نصح الرجل لأخيه الأصغر بعدم تكرار رفع صوته على أخيه الأكبر سنًّا يُعد من محاسن الأخلاق ومكارمها، ومن مقتضيات التناصح المشروع الذي حث عليه الشرع الشريف ورغّب فيه.
وأوضحت أن النصيحة ينبغي أن تُقدَّم مع مراعاة الآداب والضوابط الشرعية اللازمة، ومن أبرزها أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، وأن تُؤدى سرًّا قدر الإمكان، بعيدًا عن أعين الناس؛ صيانةً لكرامة المنصوح، وأن تُقدَّم بلطف ورفق وبعبارة مناسبة تراعي حاله ومقامه، دون تعيير أو تجريح.
كما شددت على أن النصيحة لا ينبغي أن تكون مشروطة بقبول المنصوح لها أو استجابته، وألا يترتب عليها ضرر معتبر في الحاضر أو المستقبل.
ما منزلة النصيحة في الشريعة الإسلامية؟
بينت دار الإفتاء أن الشرع الشريف حث على النصيحة بين المؤمنين، وجعلها من أعظم أسباب الألفة ووحدة الصف وصلاح ذات البين؛ لما لها من دور في استدراك الزلل وتقويم الاعوجاج وصيانة المجتمع من أسباب الفتن ومزالق الانحراف.
وأشارت إلى أن النصيحة في حقيقتها خُلُق إيماني رفيع يقوم على إرادة الخير للآخرين، ونقل الإمام الشريف الجرجاني في «التعريفات» أن النصيحة هي «الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد».
كما أشار الإمام النسفي إلى أن حقيقة النصح تتمثل في إرادة الخير للغير مما يريده الإنسان لنفسه، أو بلوغ الغاية في صدق العناية.
«الدين النصيحة».. حديث جامع لمعاني الإصلاح
ولعظم شأن النصيحة ورفيع منزلتها، جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنوانًا جامعًا للدين، فقال فيما رواه تميم الداري رضي الله عنه: «الدين النصيحة»، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم.
ونقلت دار الإفتاء عن الإمام النووي قوله في شرحه على صحيح مسلم: «هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام»، بما يبرز المكانة الكبيرة للنصيحة باعتبارها وسيلة للإصلاح وإرادة الخير.
كما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم النصيحة من الحقوق الثابتة بين المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست»، وذكر منها: «وإذا استنصحك فانصح له»، أخرجه الإمام مسلم.
هل نصح المسلم لأخيه واجب؟
وأوضحت دار الإفتاء أن العلماء اختلفوا في حكم نصح المسلم لأخيه المسلم، وظهرت في ذلك اتجاهات فقهية متعددة.
فذهب فريق من العلماء إلى عدم التفريق بين النصيحة التي تأتي استجابة لطلب المنصوح، والنصيحة التي يبادر بها الناصح من تلقاء نفسه، ورأوا أن النصيحة تكون واجبة شرعًا متى قام موجبها، مع اختلافهم في نوع الوجوب؛ فمنهم من اعتبرها واجبًا عينيًّا بحسب قدرة كل مكلف، ومنهم من ذهب إلى أنها واجب كفائي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
ونقلت دار الإفتاء عن ابن بطال قوله إن النصيحة فرض يجزئ فيه من قام بها وتسقط عن الباقين، كما نقلت عن بدر الدين العيني أن النصيحة فرض على الكفاية ولازمة بحسب الطاقة.
كما نقلت عن العلامة النَّفراوي أن النصيحة للمؤمنين واجبة سواء طلبوها أم لا، مستشهدًا بأن من رأى شخصًا لا يحسن الوضوء أو الصلاة أو شيئًا من أمور دينه فعليه إرشاده، فإن كان جاهلًا علّمه، وإن كان عالمًا نصحه بفعل الصواب.
رأي آخر: النصيحة الواجبة تكون عند طلبها
وأشارت دار الإفتاء إلى وجود قول آخر يفرق بين النصيحة التي يبادر بها الإنسان ابتداءً، وبين النصيحة التي يطلبها المسلم من أخيه.
وبحسب هذا الاتجاه، فإن النصيحة إذا صدرت ابتداءً من الناصح كانت مندوبة شرعًا، يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها، أما إذا طلب المسلم من أخيه النصيحة فإنها تتعين في حقه وتصبح واجبة عليه، فلا يسعه كتمانها مع القدرة على أدائها.
ونقلت في هذا السياق عن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أن النصيحة الواجبة لعموم المسلمين تتمثل في انتشالهم من الضلالة ودعوتهم إلى الائتلاف والوفاق، بينما تكون الدلالة على ما فيه خير للمسلم في دينه ودنياه من قبيل النافلة.
شروط النصيحة.. ليست في الدين فقط
وأكدت دار الإفتاء أن النصيحة ليست مقصورة على جانب واحد من جوانب الحياة، ولا تقتصر على أمور الدين فقط، وإنما تمتد لتشمل شؤون الدين والدنيا جميعًا.
ونقلت عن الإمام ابن جزي أن من حقوق الصداقة النصيحة للصديق في دينه ودنياه، كما نقلت عن الإمام المناوي عن ابن العربي قوله إن النصيحة عامة في كل شيء.
ولفتت إلى أن النصيحة، رغم عظيم قدرها وأثرها، قد تكون شاقة على النفوس؛ لأنها تتطلب أحيانًا مواجهة الإنسان بعيوبه أو تنبيهه إلى مواطن التقصير، وهو ما قد يثير رفضًا أو نفورًا لديه، ولذلك جاءت الشريعة بآداب وضوابط تساعد على قبول النصيحة وتحقيق مقصدها.
الشرط الأول.. إخلاص النية لله تعالى
من أبرز شروط النصيحة أن تكون صادقة خالصة لله تعالى، وأن يكون مقصد الناصح نفع المنصوح وإرشاده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه.
وأكدت دار الإفتاء أن الناصح ينبغي أن يتجرد من الرياء وحب الظهور والتشفي وحظوظ النفس؛ لأن النصيحة إذا خالطتها هذه الدوافع قد تتحول من وسيلة للإصلاح والهداية إلى سبب للنفرة والعداوة.
وقد يترتب على النصيحة غير الخالصة من المفاسد ما يفوق المصالح المرجوة منها، ولذلك استشهدت دار الإفتاء بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، أخرجه الإمامان البخاري ومسلم.
الشرط الثاني.. تقديم النصيحة سرًّا
وأكدت دار الإفتاء أن الأصل في النصيحة أن تكون سرًّا لا على الملأ، حفاظًا على كرامة المنصوح ومكانته، وتجنبًا لإحراجه أمام الآخرين.
وأوضحت أن النفوس بطبيعتها تكره أن تُؤاخذ أمام الناس أو أن تُكشف عيوبها على رؤوس الأشهاد، ولذلك كان إسرار النصيحة من هدي السلف الصالح.
ونقلت عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله إن من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه.
كما نقلت عن سفيان بن عيينة أن الإنسان قد يحب أن يخبره الآخر بعيوبه، ولكن بينه وبينه، لا أمام الناس، وعن ابن قدامة أن من حقوق الأخ على أخيه أن تكون النصيحة له سرًّا.
وأكد الحافظ ابن رجب أن السلف كانوا إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا، كما قرر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان.
الشرط الثالث.. استخدام الأسلوب غير المباشر
ومن ضوابط النصيحة كذلك، بحسب دار الإفتاء، أن تُقدَّم بأسلوب غير مباشر متى أمكن، خاصة عند تعذر إبدائها سرًّا، وذلك عن طريق التعريض بدلًا من التصريح إذا كان التعريض يحقق المقصود.
فإذا لم يفهم المنصوح الإشارة، أو كان لا يدرك التعريض، جاز التصريح بقدر ما تدعو إليه الحاجة.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان في بعض المواقف لا يعيّن المخطئ ولا يسميه، وإنما ينكر الفعل نفسه، ومن ذلك قوله: «ما بال أقوام».
ومن أمثلة ذلك موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعض الشروط المتعلقة بالولاء، حيث قال على المنبر: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله...» دون تسمية الأشخاص.
ونقلت دار الإفتاء عن ابن حزم أن من آداب النصيحة أن تكون سرًّا لا جهرًا، وبالتعريض لا التصريح، إلا إذا كان المنصوح لا يفهم التعريض، فعندها لا بد من التصريح.
الشرط الرابع.. اللطف والرفق في تقديم النصيحة
وشددت دار الإفتاء على ضرورة أن تُبذل النصيحة بلطف وأدب ورفق، موضحة أن من تمام فقه الناصح أن يختار أحسن الطرق لتقديمها، وأن يستخدم أسلوبًا يكون أقرب إلى قبول المنصوح لها.
فالمقصود من النصيحة ليس مجرد بيان الحق، وإنما إيصاله بالطريقة التي تساعد المنصوح على الانتفاع به والعمل بمقتضاه.
واستشهدت دار الإفتاء بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»، أخرجه الإمام مسلم.
كما نقلت عن الإمام النَّفراوي أن النصيحة تكون بالقول اللين والرفق؛ لأنه أقرب إلى قبولها.
الشرط الخامس.. لا تجعل قبول النصيحة شرطًا
وأوضحت دار الإفتاء أن الناصح ليس مطالبًا بضمان قبول نصيحته، ولا يجوز أن يجعل استجابة المنصوح شرطًا لأدائها.
فواجب الناصح أن يبذل النصح ويبين الحق على وجهه، أما قبول النصيحة والعمل بها فهو أمر يرجع إلى المنصوح.
ومن ثم، فإن من كمال أدب الناصح أن يؤدي ما عليه من النصح والإرشاد، سواء قُبل قوله أو رُدَّ، وسواء ظهرت ثمرة النصيحة في الحال أو بعد ذلك.
ونقلت دار الإفتاء عن ابن حزم قوله: «ولا تنصح على شرط القبول منك»، كما قال أيضًا: «إن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم».
الشرط السادس.. ألا يترتب على النصيحة ضرر
ومن أهم ضوابط النصيحة ألا يترتب على تقديمها ضرر معتبر شرعًا يلحق بالناصح أو المنصوح، سواء كان ذلك الضرر في الحال أو في المستقبل.
وأوضحت دار الإفتاء أنه إذا غلب على ظن الناصح أن نصيحته ستؤدي إلى مفسدة راجحة، أو أن الضرر الناتج عنها سيفوق المصلحة المرجوة منها، فلا يُشرع له الإقدام عليها في هذه الحالة.
واستندت إلى القاعدة النبوية: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي من القواعد الفقهية التي قررها العلماء، حيث أكد الإمام الشاطبي أن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من القواعد المقررة، كما قرر الزركشي أن الضرر لا يزال بالضرر.
ونقلت عن ابن بطال أن النصيحة لازمة بحسب الطاقة إذا علم الناصح أن المنصوح سيقبلها ويُطاع أمره، وكان الناصح آمنًا على نفسه من المكروه، أما إذا خشي الأذى فهو في سعة من تركها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

