الحياة ليست ملكا خالصا لصاحبها يفعل بها ما يشاء ساعة يشاء، بل هي أمانة كبرى ووديعة مقدسة امتنّ الله بها على الإنسان، وربط وجوده فيها بشبكة واسعة من الروابط الأسرية والمجتمعية والدينية. وحين يقدم أحدهم على إنهاء حياته، فإنه لا يضع حدا لأحزانه الخاصة كما يتوهم في لحظة ضعف وغشاوة يأس، بل يطلق زلزالا مدمرا تتصدع بفضله أركان عائلته، وتتجرع من بعده مجتمعات بأسرها مرارة الفقد والخزي والأسئلة المؤلمة التي لا تنتهي.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لحفظ الكليات الخمس، وجاء في طليعتها حفظ النفس البشرية وصيانتها من كل عدوان. ولذلك، حسم الإسلام هذا الأمر بقطع الطريق أمام القنوط واليأس، محاربا الانتحار باعتباره اعتداء سافرا على ملك الله وحكمته. يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}. فالإقدام على هذه الخطوة ليس خلاصا ولا راحة كما يروج الوهم، بل هو صدام مع القدر ومخالفة صريحة لمنهج السماء الذي جعل من الابتلاء ميدانا للصبر والاحتساب، لا مبررا لتدمير الوجود. إن المؤمن الحقيقي يدرك أن ضيق الدنيا مفتاحه فرج قريب، وأن الأرواح لا تُزهق إلا بإذن خالقها.
وعلى المستوى الاجتماعي، يترك الانتحار ندوبا عميقة لا تندمل في جسد العائلة والمجتمع. الأبناء الذين يتركون يتامى بلا سند، والأم التي تحترق بلوعة فراق كبد رديئها، والزوج أو الزوجة اللذان يغرقان في بحر من الشعور بالذنب والعجز، كلهم يدفعون ثمنا باهظا لقرار لحظي. هذا الفقد لا يماثله فقد آخر؛ فهو محفوف بالوصمة الاجتماعية والألم النفسي المبرح الذي يورث الأمراض النفسية ويشتت شمل الأسر ويقضي على استقرارها.
أما المجتمع بأسره، فإنه يفقد طاقة بشرية وعنصرا حيويا كان يمكن أن يسهم في بنائه وازدهاره. وتأتي الأعراف والتقاليد الأصيلة لترفض هذا السلوك رفضا قاطعا، معتبرة إياه انكسارا غير مقبول أمام نوائب الدهر. من هنا، تبرز الحاجة الملحة لتكاتف الجهود المجتمعية ونشر ثقافة الدعم النفسي، وتفكيك جدران العزلة التي قد يحاصر البعض أنفسهم خلفها، لنجعل من مجتمعاتنا بيئة حاضنة تحتضن الضعيف وتأخذ بيده نحو الأمل.
إن أثمن ما يملكه الإنسان على وجه الأرض هو روحه وحياته، وبها يستطيع أن يصحح أخطاءه، ويصنع أفراحه، ويترك أثرا جميلا بمن حوله. مهما اشتدت العواصف وضاقت السبل، يبقى الغد حاملا فرصا جديدة للنجاة والفرج. فلنحفظ أرواحنا وأسرنا، ولنكن عونا لكل مهموم، متذكرين دائما أن البقاء ومواجهة الصعاب هما شجاعة الأقوياء، وأن الحياة، بكل مرارتها، تظل أثمن بكثير من أن تُهدر في لحظة قنوط عابرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض