اتخذ السادات قرارًا جريئًا فى وقت حساس للغاية بطرد الخبراء الروس قبل حرب أكتوبر المصيرية وتحديدًا فى 8 يوليو 1972، فقد أدرك مبكرًا أن العالم يتغير بسرعة أكبر من تحجر الاتحاد السوفيتى الذى شارف على التفكك والانهيار، وأصبح سقوطه مسألة وقت بسبب الترهل السياسى والتخلف الاقتصادى، وأن الرهان عليه ليس فى مصلحة مستقبل مصر وبالفعل تحققت نبوءته بعد 19 عامًا، وبنفس ذات البصيرة النافذة قال أيضًا إن 99% من أوراق اللعبة فى الشرق الأوسط بيد أمريكا، فمنذ زيارة نيكسون للقاهرة وحتى إزاحة مرسى من السلطة كانت واشنطن هى صاحبة النفوذ الأقوى تلقى بالتعليمات مستخدمة سياسة العصا والجزرة، ومع وصول السيسى لسدة الحكم حدث تغيير طفيف لم يصلّ لدرجة الصدام، لكنه وسع هامش المناورة قليلًا، وموخرًا تسعى القاهرة لاستثمار موقفها التاريخى كأول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية.
عادة لا يسافر الرئيس الصينى كثيرًا إلى الخارج وتعد زيارته الثانية إلى القاهرة خلال عشر سنوات تقديرًا كبيرًا لمركز مصر الاستراتيجى واستمرار التعاون بينهما يمنحهما زخمًا وثقلًا إضافيًا ويعزز مكانتهما الدولية، وفى هذا السياق وصفت الخارجية الصينية العلاقات مع مصر بأنها «فى أفضل حالاتها عبر التاريخ» حيث تتزامن الزيارة الهامة مع الذكرى الـ70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، والجدير بالذكر أن السيسى زار الصين ثمانى مرات وفى لفتة نادرة كتب مقالًا نشر الثلاثاء الماضى يرحب فيه بالضيف الكبير «إن مصر تمسكت بسياسة الاتزان الاستراتيجى كوجهة للسياسة الخارجية فى وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، كما أكد أن البلدان شريكان يسهمان سويًا فى تعزيز دور الجنوب فى النظام العالمي». حيث يبلغ عدد الشركات الصينية العاملة فى السوق المصرية 3971 شركة، من بينها 357 شركة تأسست 2026 بحجم استثمارات 10 مليارات دولار، وتكمن أهمية هذه الاستثمارات فى طبيعتها الإنتاجية ونموها المطرد، حيث وصلت إلى نحو 4 مليارات دولار 2025 وهذا الرقم مرشح للزيادة حتى نهاية العام الجارى. المثير للاهتمام أنهم لا يستحوذون مثل غيرهم على شركات قائمة بل يبنون مناطق صناعية متكاملة مثل «تيدا السخنة»، التى تضم أكثر من 200 مشروع صناعى وخدمى ولوجستى باستثمارات تقارب 3.8 مليار دولار. وهنالك توسع يستهدف 7 ملايين متر مربع لإقامة مصانع جديدة فى قطاعات السيارات والهواتف والإلكترونيات وغيرها من الصناعات.
تعد الصين الشريك التجارى الأول لمصر بقيمة 21 مليار دولار مع ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى الصين 850 مليون دولار بنسبة 199% خلال أول 6 أشهر من 2026، ما يمثل تطورًا ملحوظًا، لكنه غير كافٍ بالنظر إلى حجم السوق الصينية بالإضافة لتوافر فرصة ذهبية للشركات المصرية بعد إتاحة بكين إعفاء جمركيًا لصادرات 33 دولة إفريقية.
وفى ختام الزيارة صدر بيان هام مكون من 21 نقطة حول علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وقد اتفق الجانبين على حق مصر فى حماية أمنها المائى وإقرار مبدأ صين واحدة والعمل من أجل تحقيق مواءمة بين رؤية 2030 ومبادرة الحزام والطريق بما يسهم فى تحويل مصر إلى مركز إقليمى للصناعة واللوجستيات والطاقة المتجددة من خلال اقتصاد رقمى يربط كلًا من إفريقيا وآسيا وأوروبا، بالاضافة لبناء مسار مالى مباشر عبر اتفاقية لتبادل العملات محليًا ما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على الدولار فى جزء من المعاملات الثنائية.
أعتقد أن القاهرة تنتهج سياسة خارجية هادئة وحكيمة تسعى من خلالها إلى تحقيق توازن دقيق فى علاقاتها مع القوى الكبرى، فهى لا ترغب مطلقًا فى خسارة واشنطن باعتبارها ما زالت القطب الأول عالميًا وفى نفس الوقت تستشرف المستقبل بالبحث عن بدائل وشركاء استراتيجيين موثوقين لضمان استقرارها السياسى والاقتصادي.
ذكرنى حماس متابعة المصريين لتفاصيل زيارة شى بنفس شغف شباب الأحياء الشعبية لنزول أفلام بروس لى أسطورة الكاراتيه الخالدة والملقب بالتنين الصغير فى سينمات الترسو.. عودًا حميدًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض