رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

إعادة هندسة الشرق الأوسط، ظهرت مرتين فى هذه الحقبة من الزمن.. الأولى: فى أعقاب غزو العراق للكويت أغسطس ١٩٩٠، ثم حرب تحرير الكويت ١٩٩١، وقد ترافقت مع حدثين هامين، سقوط وتفكك واختفاء الاتحاد السوفيتى ومعه الكتلة الشرقية، ثم انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، باعتبارها القطب الذى انتصر فى الحرب الباردة. واقتصرت فكرة الشرق الأوسط الجديد فى ذلك الوقت على معنى واحد، هو انهيار فكرة العروبة ونهاية التضامن العربى، ما دام غزو بلد عربى جاء من بلد عربى، وعلى اعتبار أن حرب الخليج الأولى هى حرب بين عرب وعرب، وليست بين العرب وإسرائيل، كما كانت الحروب التى قبلها، وعلى هذا الأساس جرت عملية مفاوضات سلام، لا سابق لها بين الدول العربية وإسرائيل، أسفرت عن سلام مع الفلسطينيين، ثم الأردن.

والثانية: جاءت الدعوة الثانية للشرق الأوسط الجديد بعد ذلك بعشر سنوات، بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠٠، مع عدة فوارق مهمة، لم يعد اسمه الشرق الأوسط الجديد، بل الشرق الأوسط الكبير، ولم يعد مقصوراً على العالم العربى، بل امتد للعالم الإسلامى كله. ولم يعد دعوات للسلام والمفاوضات، وإنما إسقاط صريح للأنظمة الحاكمة، سواء بغزو عسكرى مباشر أو مساعدة كفاح الشعوب للتخلص من الديكتاتوريات الحاكمة. وعلى هذا النحو تساقطت كافة الأنظمة التى رأى مهندسو الشرق الأوسط الكبير إسقاطها من أفغانستان ٢٠٠١، والعراق ٢٠٠٣، وباكستان ٢٠٠٨، ثم تونس ومصر وليبيا واليمن ٢٠١١، ثم السودان ٢٠١٩، وسوريا ٢٠٢٤. وقد ترافق مع هذه الهندسة ثلاث ظواهر كبرى: المجىء بنموذج أردوغان فى تركيا، ليكون مثالاً تطبيقياً على الشرق الأوسط الكبير من عدة زوايا: فهو عضو مهم فى حلف الناتو الآلة العسكرية الأضخم لأوروبا وأمريكا، ثم هو علمانى أتاتوركى، تم تطعيمه بإسلام ثقافى وتعبدى وشعائرى وتصوفى، بحيث أردوغان يرتاد الجوامع ولبس طواقى بيضاء، ويرتل القرآن المجيد على الملأ، لكن ذلك كله فى برواز العلمانية الأتاتوركية التى تحل كل ما أحلت أوروبا، وتحرم كل ما حرمت أوروبا، ثم هو حليف رسمى وفعلى لدولة الكيان الصهيونى، مثله فى ذلك مثل من سبقوه فى تركيا العلمانية، مع إضافة خطاب مؤيد للحق الفلسطينى، ليس أكثر من عاطفة بعضها صادق ونبيل، وبعضها الآخر ثرثرة لفظية، ثم هو ملتزم بأسس الديموقراطية التركية، فهو يأتى بانتخابات حقيقية غير مزورة. ومن ٢٠٠٢ تاريخ مجىء أردوغان، حتى انفراده بعملية إسقاط نظام الأسد فى سوريا ٢٠٢٤، أكثر من عشرين عاماً، حافظ أردوغان على تقدم متواصل فى خمسة مسارات، القبول برضا شعبى داخلى يمكنه من الفوز فى الانتخابات كل مرة، والحفاظ على مصالح دولة الكيان الصهيونى، والحفاظ على الولاء لأمريكا والغرب، والحفاظ على الأتاتوركية مع لمسات عثمانية، وأخيراً الفوز بوظيفة الوكيل الحصرى لأمريكا والصهيونية والغرب فى الشرق الأوسط. انتزع أردوغان هذا الدور بجدارة، فشل فيها من قبله الشاه محمد رضا بهلوى فى إيران، كما فشل فيها صدام حسين فى العراق. 

 وممكن أن نرى مستقبل الشرق الأوسط الكبير من خلال المشاهد التالية:

أولا: سقوط ديكتاتوريات عربية، مزقت مواطنيها، ثم دمرت وطنها، ثم رهنت نفسها ووطنها للخارج، ثم سقطت بتخطيط وتمويل وتسليح من الخارج، لكن رحب به الداخل، وابتهج له الشعب على اختلاف مكوناته. ثانياً: اكتمال نموذج أردوغان، بعد مثابرة منه وصبر من كفلائه ورعاته وضامنيه، استغرق ربع قرن، ليكون النموذج الإرشادى لديمقراطية مع علمانية مع إسلام متصالح مع الصهيونية وموالٍ للغرب، وموكل من أمريكا رأساً برعاية شئون التحول نحو الشرق الأوسط الكبير. ثالثاً: شرق أوسط كبير، بلا مقاومة وبلا إسلام سياسى موجه ضد الصهيونية، ولا مانع من إسلام سياسى، لكن بشرط التصالح مع الصهيونية وغض البصر عنها، والكف عن أذاها. رابعاً: بهزيمة المقاومة وإخراج إيران من سوريا وسقوط ديكتاتورية البعث السورى، تكون حقبة قد انتهت بعد كفاح طويل من جانب أمريكا والغرب والصهيونية، من أجل شرق أوسط بدون مقاومة، ولا مانع فى مقابل تحقيق هذا الهدف الكبير، من تجريب الديمقراطية، وتجريب جماعات الإسلام السياسى، حتى لو كان لها سجل إرهابى مثل ما حدث فى سوريا، ولا مانع من توكيل تركيا بإدارة هذا التحول المهم. فى الخمسة والعشرين عاماً الأخيرة من ٢٠٠٠- ٢٠٢٤، اختل التوازن فى الشرق الأوسط لصالح إيران ومن تابعها من الشيعة العرب، سواء فى لبنان أو اليمن، أو من السنة العرب مثل حماس والجهاد الإسلامى فى غزة ونظام الأقلية العلوية فى سوريا الأسد سواء الأب أو الابن، فعلى نقيض الإجماع العربى فى الحرب بين العراق وإيران ١٩٨٠- ١٩٨٩، اختار النظام السورى الانحياز إلى صف إيران ضد العراق، الذى كان يحكمه فى ذلك الوقت الفكر البعثى العربى الذى كان يحكم سوريا. وبعد خمسة وعشرين سنة من الآن حتى ٢٠٤٨، تكون إسرائيل قد أكملت مائة عام، ويكون الشرق الأوسط الكبير الذى بدأ بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠٠، قد أكمل ربع قرن من عمره، وسوف تكون الدولة الوطنية فى العالم العربى قد اختلفت ملامحها، وسوف تكون فكرة العروبة بما هى يقظة عربية ضد النفوذ الأجنبى قد ماتت، وسوف يكون الإسلام السياسى قد تم ترويضه وتطويعه وتوظيفه وإدماجه فى بنية الشرق الأوسط الكبير، حيث بعض الديمقراطية مع بعض العلمانية مع ارتباط وثيق بأمريكا والغرب والصهيونية والرأسمالية. أردوغان لم يأتِ مصادفة عام ٢٠٠٢، والإسلاميون لم يأتوا مصادفة بعد الربيع العربى، والإسلاميون الجدد فى سوريا ٢٠٢٤، لم يأتوا مصادفة. نموذج أردوغان ثبت نجاحه على أكثر من صعيد، إرضاء أغلبية كافية من الشعب التركى، وإرضاء إسرائيل وأمريكا والغرب، وكسب شعبية تتأرجح، لكنها قوية بين تيارات الإسلام السياسى سواء فى العالم العربى أو الإسلامى، الأهم من ذلك كله إرضاء وكسب ثقة دوائر المال والصناعة والتجارة فى العالم الرأسمالى، وبما يرضى الرأسمالية التركية أو خارج تركيا. صحيح، أن أردوغان حافظ على الخطوط العريضة لميراث أتاتورك، لكن الصحيح كذلك أن أردوغان أسس لنفسه وتركيا وللإسلام السياسى شرعية غير مسبوقة، شرعية منسوجة من مهارته السياسية التى أدت إلى استحواذه على المقاولة كاملة فى سوريا الجديدة ٢٠٢٤. أياً ما تكون الملاحظات على نموذج أردوغان، فهو يظل فكرة ملهمة لغيره، كما هو رؤية عملية، ولكن السؤال هو: هل المشروع الأردوغانى الذى هو تطبيق عملى لمشروع الشرق الأوسط الكبير، هل له مستقبل؟، أم ينتهى بنهاية أردوغان؟، الجواب: المشروع لا يرتبط بشخص أردوغان، بل المشروع سابق على أردوغان، المشروع هو من جاء بأردوغان، وضمن له بيئة نجاح وظروف عمل مواتية، أردوغان ثمرة ناضجة من ثمرات المشروع الذى هو هندسة أمريكية لشئون العالم الإسلامى، هذه الهندسة لم يبدأها الأمريكان من فراغ، إنما شيدوها وأسسوها على تراث بريطانى هائل، فقد كان البريطانيون هم حكام الجزء الأكبر من عالم الإسلام، ما يقرب من قرنين من الزمان، من الهند حتى فارس حتى بين النهرين حتى وادى النيل، وقد اخترع البريطانيون أساليب ماهرة فى ترويض الصحوات الإسلامية وتوظيفها وتسكينها فى الإطار الواسع للمصالح البريطانية، لم تصطدم بريطانيا مع الحركات الإسلامية الكبرى من الهند وباكستان، حتى العراق وفلسطين ومصر باستثناء الحركة المهدية فى السودان التى قاتلت الإنجليز ببسالة ورجولة وشرف، أما باقى الحركات الإسلامية، فلقيت الازدهار تحت الاستعمار البريطانى لأسباب، منها احتواء العاطفة الدينية لدى المسلمين وعدم استفزازها، ومنها استخدام الحركات الإسلامية فى تفريق الصف الوطنى وأضعاف قوة الحركات الوطنية التى رفعت لواء النضال لأجل الاستقلال والتحرر الوطنى، هذا التراث البريطانى تطوره أمريكا فى احتواء القوى الإسلامية، ثم فى توظيفها فى إطار التصور الأمريكى لبناء الشرق الأوسط الكبير.