بين دخان الحشيش ورائحة البخور.. كيف فضح نجيب محفوظ أبطاله؟
يرى الناقد الفرنسي ألان كوربان أن "الرائحة" في الأدب هي المحرك الأول للرفض أو القبول الطبقي والنفسي بين الأبطال، فيما يؤكد الفيلسوف والناقد ميشيل سيريز أن الأديب العبقري هو من يثير "جغرافيا الأنف" لدى القارئ.
وبينما احتل "المكان" النصيب الأكبر من التحليلات والقراءات النقدية لأعمال أديب نوبل، كمرآة عاكسة للتاريخ والمجتمع، غاب عن الأذهان أن محفوظ لم يرسم عالمه الروائي بعيون أبطاله وألسنتهم فحسب، إنما أيضًا عبر حاسة غفلت عنها أغلب القراءات النقدية، وهي حاسة الشم، حيث ظلت الروائح تتسرب بصمت من بين السطور، لتشكل دلالات سيكولوجية وطبقية تحرك الشخصيات وتفجر صراعاتها المكتومة.
هكذا، بالرائحة أدرك أبطال محفوظ الفارق بين الخضوع والتمرد، وبالرائحة هربوا من واقع مأزوم أو تشبثوا بماضٍ لفظ أنفاسه الأخيرة.
وفي هذا التقرير نقرأ "بعض" أدب نجيب محفوظ عبر "جغرافيا الأنف"؛ لنكشف كيف تحولت الروائح والنكهات في رواياته من أدوات وصفية إلى دلالات سيكولوجية تشي بأسرار النفس البشرية.

* رواية «زقاق المدق»:
يتبدى ذلك التباين الحاد بين رائحة "البخور والمعسل" الكثيفة والمستقرة في مقهى المعلم "كرشة" (والتي تمثل الخمول والتاريخ الراكد للزقاق)، ورائحة العطور الرخيصة التي تضعها "حميدة" عندما تقف أمام المرآة؛ فتعكس الرائحة تمردها النفسي ورغبتها في الخروج من حيز الفقراء إلى عالم الأرستقراطية، وهو ما تؤكده لحظة استنشاقها لرائحة المساحيق الأجنبية داخل صالون التجميل مع فرج؛ لتشكل الرائحة صدمة حسية تفصلها نفسيًا عن "فقر الزقاق" وتثير حقدها الطبقي، فتصبح المحرك الأول لقرار السقوط والتخلي عن خطيبها عباس.
أما عبق التبغ المحترق مع الشاي المغلي في مقهى المعلم "كرشة"، فقد عكس حالة الخدر الجمعي، والرغبة في الهروب من ضغوط الحرب والغلاء.

وفي الوقت ذاته تفوح رائحة الأجساد غير النظيفة وتراكم القمامة في مخبأ الزقاق تحت الأرض، وهنا تتضح عبقرية محفوظ في استخدامه حاسة الشم ودلالتها لتعميق البشاعة النفسية لشخصية "زيطة" الذي يجد لذته الانتقامية من المجتمع في صنع العاهات للمتسولين وسط هذه الأجواء الكريهة.
* وفي «الثلاثية»
يطالعنا ذلك المشهد الذي تستيقظ فيه أمينة قبل الفجر لإعداد القهوة وصينية الفل للسيد أحمد عبد الجواد، وهنا تعد الرائحة تجسيدًا نفسيًا لطبيعة المرأة الخاضعة التي تجد أمانها واستقرارها النفسي في خدمة "سي السيد"، بينما يبدو التباين الحاد بين رائحة بيت السيد ورائحة العطور الصارخة والورد المسكوب في عوامة "زبيدة"، حيث تعكس الرائحة ازدوادجية شخصية السيد أحمد، الذي ينتقل بخلع جلبابه من الوقار إلى العالم الشهواني.

أما رائحة "الحبر والورق القديم" التي تملأ غرفة كمال عبد الجواد، فهي تعبر عن العزلة النفسية، والشك الوجودي، واغترابه الكلي عن واقع عائلته ومجتمعه بعد صدمة حبه الفاشل لـ "عايدة".
فيما تتحول رائحة المطهرات التي سادت البيت عند انتشار التيفود في "السكرية"، إلى رمز للرعب المكتوم من انهيار الأسرة ودنو الموت.
* رواية "ثرثرة فوق النيل"
تتجلى حاسة الشم والنكهة في رواية «ثرثرة فوق النيل» كمرادف حسي لحالة الغيبوبة الفكرية والهروب الذي يعيشه أبطال العوامة، فالدخان الأزرق الكثيف الذي يملأ مقصورة العوامة المغلقة ليس مجرد خلفية للتعاطي، لكنه جدار يفصل «أنيس زكي» ورفاقه عن الواقع الخارجي، ذلك أن الرائحة الثقيلة والمعتقة للحشيش المحترق تعكس سيكولوجية الرغبة الجمعية للهروب من الهزيمة والواقع السياسي الكريه، حيث يتحول الدخان إلى الملاذ النفسي الوحيد الذي يلغي الحدود بين الزمان والمكان.
بينما تجسد مرارة الشاي المغلي طوال الليل على الفحم، والتي يمتزج طعمها بطعم الدخان الجاف في أفواه الشخصيات، حالة الإجهاد الحسي والنفسي، هنا تصبح المرارة مرادفًا لطعم العبث والعدمية اللذين يغلفان حياتهم.

وفي مشاهد السهرات والسكر داخل العوامة، تتصادم رائحة عطور النساء الصارخة مع رائحة الكحول المنبعثة من الأنفاس، هذا المزيج يكشف السيكولوجية المزيفة للبهجة، فالرائحة لا تعبر عن أنس حقيقي، بل عن محاولة بائسة لتغطية الانحلال الأخلاقي والشعور بالذنب.
*رواية «ميرامار»
وفي رواية «ميرامار» يبدو التوظيف النفسي لعدة روائح: فتلك رائحة "اليود والبحر الطازج" في الإسكندرية، والتي تلتطم برائحة "العفن والأثاث القديم" داخل بنسيون ميرامار مغلق النوافذ، حيث تتصاعد هذه الرائحة مع "زهرة" الفلاحة التي تفوح منها رائحة الحقول ورائحة النظافة الفطرية، لتصبح رائحتها هنا محركًا صامتًا يثير غيرة وشهوات وصراع نزلاء البنسيون من مختلف الأجيال والاتجاهات السياسية (من العجوز عامر وجدي إلى الشاب الانتهازي سرحان البحيري).
بينما تعد رائحة الأثاث القديم والستائر المغبرة داخل البنسيون المغلق مرادفًا حسيًا واضحًا للحالة النفسية للنزلاء الذين يمثلون أيديولوجيات قديمة متعفنة.
فيما يعكس اختلاط عطر "ماريانا" صاحبة البنسيون الصارخ برائحة سجائرها الإفرنجية، سيكولوجية النوستالجيا للإسكندرية القديمة ومحاولة التشبث بالماضي الأرستقراطي الفائت.

وهكذا يثبت نجيب محفوظ أنه لم يكن مجرد راوٍ يرسم معالم القاهرة وحاراتها بالكلمات، لقد كان أيضا طبيبا نفسيا، ومخرجا سينمائيا، استطاع أن يحفر ذاكرة شخصياته في ذهن القارئ عبر شفرات ودلالات "شمّية" لا تنسى، وهكذا رأينا أن إعادة قراءة أدبه من خلال "جغرافيا الأنف" تفتح بابًا جديدًا لإدراك عبقريته السردية؛ حيث لم تكن تلك الروائح والنكهات مجرد خلفيات واقعية، إنما كانت البصمة النفسية الأكثر صدقًا لماضٍ يتداعى، وحاضر يتألم، وأرواح تتوق للعبور نحو مستقبل تظنه أفضل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض