نبض الكلمات
لم تعد قضية المخدرات في مصر تحتمل البيانات التقليدية ولا الاكتفاء بإعلان ضبط شحنة هنا وسقوط تاجر هناك، القضية أكبر من ذلك بكثير.. إنها حرب مفتوحة على عقول المصريين، وفي مقدمتهم الشباب، بينما تتسع دائرة الخطر عامًا بعد عام.
الدولة تعلن باستمرار عن حملات أمنية وضبطيات ضخمة وسقوط تشكيلات إجرامية، وهي جهود لا يمكن إنكارها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الضربات الأمنية متلاحقة، فلماذا لا يزال سوق المخدرات قادراً على التجدد والانتشار والوصول إلى ضحايا جدد؟..هناك شباب يُستدرج إلى طريق قد يبدأ بجرعة وينتهي بأسرة مدمرة أو جريمة أو موت..المشكلة ليست في عدد التجار الذين يتم القبض عليهم فقط، وإنما في قدرة المنظومة بأكملها على تجفيف منابع هذه التجارة السوداء وإنقاذ الشباب قبل أن يتحولوا إلى مدمنين ، فمن الحشيش والهيروين إلى الآيس والشابو والمواد التخليقية وغيرها، تتغير الخريطة وتتعدد السموم، فيما يجد بعض التجار دائما طريقا جديدا إلى السوق، وكلما سقطت شبكة، ظهرت أخرى، وكأن مافيا المخدرات تمتلك قدرة مذهلة على إعادة إنتاج نفسها.
والسؤال الأهم : أين الرؤوس الكبيرة؟ وأين منابع التمويل؟ ومن يقف وراء شبكات التهريب والتوزيع؟ وكيف تصل هذه السموم إلى الأحياء والقرى وبين أيدي الشباب؟.
ليس مقبولًا أن تتحول مكافحة المخدرات إلى معركة أرقام فقط ، عدد المضبوطات وعدد المقبوض عليهم، فالمعيار الحقيقي للنجاح هو: هل انخفضت معدلات التعاطي؟ هل تراجع وصول المخدرات إلى الشباب؟ هل جُففت منابع التجارة؟ وهل أصبحت الأسرة المصرية أكثر أمانا؟
إن أخطر ما في القضية أن تاجر المخدرات لا يبيع مسحوقًا أو أقراصًا فحسب، وإنما يبيع انهيارًا كاملاً ، يبيع لأسرة ابنا قد يتحول إلى مصدر خوف بدلًا من أن يكون مصدر أمان. ويبيع لأم دموعا لا تنتهي، ويبيع لطفل أبا غائبا عن الوعي أو حاضرا بجسده فقط، ويبيع للمجتمع جريمة وعنفا وفقرا وضياعا للطاقات.
والأخطر أن بعض أباطرة هذه التجارة يتعاملون مع القانون باعتباره عقبة يمكن التحايل عليها، وليس رادعا نهائياً، يغيرون أساليبهم، ويستخدمون وسطاء، ويتخفون خلف شبكات معقدة، ويستفيدون من التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل للوصول إلى ضحاياهم..وهنا تقع المسؤولية على الدولة في أن تكون خطوة أمام المافيا لا خلفها ،نحن لا نقلل من جهود وزارة الداخلية، ولا من الضربات التي توجهها الأجهزة الأمنية إلى تجار السموم، لكن نجاح الأجهزة في إسقاط الشبكات لا يجب أن يكون نهاية القصة، بل بداية لسؤال أكبر: لماذا ما زالت هذه الشبكات قادرة على إنتاج بدائلها؟
المطلوب ليس فقط المزيد من الحملات، وإنما استراتيجية أكثر صرامة تبدأ من الحدود والموانئ والمنافذ، وتمتد إلى ملاحقة الأموال، وتتبع شبكات التوزيع، وتشديد الرقابة على الفضاء الإلكتروني، وتجفيف منابع التمويل، وضرب كبار التجار بدلاً من الاكتفاء بصغار الموزعين ، وفي المقابل، أين منظومة الوقاية؟ وأين التوعية الحقيقية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب؟ وأين الدعم الكافي لعلاج الإدمان وإعادة تأهيل المتعافين ودمجهم في المجتمع؟..فلا يمكن أن ننتظر سقوط المدمن ثم نسأل كيف وصل إلى المخدر إن مصر لا تحتاج إلى حملات موسمية لمواجهة المخدرات، وإنما تحتاج إلى حرب مجتمعية مستمرة لا تتوقف عند القبض على تاجر، ولا تنتهي بإعلان ضبط شحنة ،فما يحدث أخطر من مجرد جريمة اتجار ، إنه استنزاف لمستقبل بلد بأكمله ، وعندما يصبح الشاب هدفا لتاجر المخدرات، فإن المعركة لم تعد بين الشرطة وتاجر خارج على القانون، وإنما أصبحت معركة على مستقبل الأسرة المصرية ومستقبل المجتمع والدولة نفسها.
لذلك فإن الصمت لم يعد خيارا بل جزء من أمن الدوله القومي ، والتطمينات وحدها لا تكفي، والبيانات الرسمية مهما كانت أرقامها لا ينبغي أن تحجب السؤال الأصعب: هل نطارد مافيا المخدرات بالسرعة الكافية، أم أن المافيا تطور أدواتها أسرع مما نطور أدوات المواجهة؟
المصري البسيط يريد إجابة واضحة، والأسرة التي ترتجف خوفاً على أبنائها تريد حماية حقيقية، والشباب يريدون دولة تغلق كل الأبواب أمام تجار الموت ، فالمخدرات ليست ملفا أمنيا عابرا.. إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية الإنسان المصري ،والنجاح الحقيقي لن يكون في أن نقول إننا قبضنا على آلاف التجار، وإنما في أن يأتي اليوم الذي لا يجد فيه تاجر السموم سوقًا، ولا يجد المدمن مخدرًا، ولا تجد المافيا طريقًا إلى عقول أبنائنا ،هذه ليست معركة أرقام.. إنها معركة بقاء. ومن يخسر فيها شباب مصر، يخسر المستقبل كله.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض