حكاية وطن
توقفت اجتماعات نواب المعارضة والمستقلين التى عقدوا عددًا منها فى صيف عام 1993، لتعويض غياب الدور الرقابى لمجلس الشعب خلال الإجازة البرلمانية بعد قيامهم بتوجيه الشكر إلى فؤاد باشا سراج الدين، زعيم الوفد ورئيس مجلس إدارة صحيفة الوفد على دعوته الكريمة والجادة لهم باستئناف اجتماعاتهم فى إحدى قاعات حزب الوفد بمقره الرئيسى فى الدقى، بعد تعرض لمضايقات من السلطتين التنفيذية والتشريعية لأنهم تحولوا إلى مسمار فى رأس الحكومة على كشفهم لبحور الفساد فى غيبة المجلس.
التوقف الاضطرارى لاجتماعات النواب لم يمر مرور الكرام، ولكن كان له ثمن دفعه بعض النواب، وكان فى مقدمتهم النائب فكرى الجزار الذى كان يُلقب بـ«الفلاح الفصيح» الذى كان يصر على ارتداء الجلباب البلدى وتحته الصديرى والقميص الأبيض الطويل، ملاصقًا لأصحاب البدل والكرافتات تحت قبة البرلمان، و«الجزار» كان فصيحًا وبليغًا يتحدث اللغة العربية السليمة بطلاقة وسلاسة مع الالتزام بقواعد النحو والبلاغة والتعبير وكان يتحدث فى كافة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية مدعمًا بالمستندات التى كانت تغلق رأس الحكومة وتجبر الجميع تحت القبة للاستماع إلى سرده للوقائع بالترتيب وصولًا إلى مربط الفرس حتى البناء عليه.
خطة الإيقاع بالنائب فكرى الجزار بدأت فى نهاية آخر دور انعقاد مع قرب الانتخابات الجديدة، وكان «الجزار» قد حضر إلى حزب الوفد للمشاركة فى احتفالات الحزب ذكرى عيد الجهاد يوم 11 نوفمبر، فى هذه الفترة فى حياة زعيم الوفد كان القصر لا يتسع للضيوف حتى بدون دعوة، كان يكفى الإعلان عن موعد الاحتفال فى جريدة الوفد لحضور آلاف المشاركين، كان الحزب فى عهد سراج الدين بحق «بيت الأمة» وبيت كل المصريين على مختلف توجهاتهم السياسية، لأن سراج الدين كان معه تخرج السياسيين وتعلمهم «الإتيكيت» فى الكلام والتعبير عن وجهات النظر دون تجريح.
حضر «الجزار» وألقى كلمة من بين الكلمات التى ألقاها رؤساء الأحزاب والسياسيون وقيادات حزب الوفد وطبعاً الاحتفال بدأ بالخطاب التاريخى السياسى للزعيم فؤاد باشا، تحدث «الجزار» كثيرًا وتناول نقطة مهمة تتعلق بصفقات السلاح التى كان يتوسط فيها حسين سالم، وعن حجم المصالح التى كانت تتم عن طريقها، وكل ذلك كان النائب الوفدى علوى حافظ قد تناوله بالتفصيل.
فى كتاب له، الجزار دخل فى الممنوع، ولم يتوقف فى أى إشارة وعاد إلى منزله وكان متوقعًا استدعاءه للتحقيق ورفع الحصانة البرلمانية عنه، أو إحالته للجنة تقييم بمجلس الشعب والتى كانت ترأسها فى ذلك الوقت الدكتورة آمال عثمان وكيل مجلس الشعب لإسقاط عضويته بسب تطاوله على السلطة، وكُلفت من الزعيم فؤاد باشا بصفتى المحرر البرلماني لجريدة الوفد بمتابعة موقف مجلس الشعب والحزب الوطنى ونواب الأغلبية من «الجزار»، وإذا كان سيحال للتحقيق، والحصول على نتائجه. تفرغت لمتابعة هذا الحدث عدة أيام، سألت الدكتورة آمال عثمان فقالت: لم يصلها شيئًا لاستدعاء «الجزار» للجنة القيم، وسألت «الشاذلى» و«عزمى» وعبدالأحد جمال الدين، جميعهم قالوا قولاً واحدًا: «الجزار» كان يتحدث كنائب وله حرية الكلام والتعبير عن رأيه، ولم يقل شيئًا يعاقب عليه، وقال «سرور» بالحرف الواحد: «حتى لو الحزب الوطنى والأغلبية البرلمانية طالبوا بفصله فلن أفصله».
كنت مصدقاً لهذه التصريحات الرسمية ومكذبًا لها فى نفس الوقت، وكنت أتوقع أن هناك شيئًا ما يدبر لـ«الجزار» ولا يريد النظام الإفصاح عنه بسبب جرأته فى الكلام فى مؤتمر حزب الوفد، حتى لا يقال إن السلطة تضيق بالمعارضين، وتعاقبهم ما يخلق رأيًا عامًا متعاطفًا معه استنادًا إلى شعبيته الجارفة. وصدق ما توقعته من أن «الجزار» سيعاقب على جرأته، وجاءت الانتخابات البرلمانيات وأجريت الانتخابات وسقط «الجزار» لأول مرة منذ دخوله البرلمان لعدة دورات عن دائرة قطور، غربية، سقط بالأمر وبفعل فاعل وبالإكراه، رغم أن «الجزار» كان لا يحتاج إلى دعاية انتخابية، ولا يدفع مليمًا فى الانتخابات، ولا يعلق لافتات، وكان ينجح قبل بدء الانتخابات، سقط «الجزار» من خلال خطة مدبرة ولم يتحمل قلبه هذا المخطط الدنىء، ومات بعدها، ولكنه عاش كأحد أعمدة البرلمان الذى كان يقول للأعور أنت أعور فى عينه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض