الناصية
أول مرة دخلت مبنى ماسبيرو، كصحفى، وقفت فى طابور طويل أمام باب الأسانسير فى بهو المبنى، للصعود إلى مكتب أمين بسيونى رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون وقتها، ووسط ملل الانتظار تذكرت أول مرة جلست فى منزلنا أمام شاشة التليفزيون النصر 23 بوصة، وكان أكبر حجم تبيعه شركة بيع المصنوعات، واشتراه والدى، رحمه الله، بالتقسيط المريح وأحضره فى كرتونة ضخمة.. وجلسنا سنوات من المتعة الكاملة فى طفولتنا أمام شاشته الساحرة مع أنها كانت أبيض وأسود، ولكنها شكّلت وجداننا بألوان البرامج والمنوعات ونشرات الأخبار، والفوازير والمسلسلات الرمضانية الخالدة.
وبعد تسوية مديونية ماسبيرو (88.3) مليار جنيه (1.7) مليار دولار.. وهى خطوة عظيمة قادها باقتدار الزميل الإعلامى أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، ومع ذلك يبقى السؤال: هل هناك رؤية لعدم تراكم الديون مرة أخرى؟.. وكنت أتمنى أقرأ فى تصريحات المسلمانى بعد توقيعه اتفاق التسوية ما يجيب عن هذا السؤال بكلام عن خطة أو دراسة علمية، وهو باحث فى الأصل، لنتجنب تكرار ما حدث!
ولكنه قال بعد توقيع الاتفاق إن «المرحلة المقبلة تستوجب تطوير المحتوى وتعزيز حضور ماسبيرو».. فهذا كلام عام لا أحد يستطيع يمسكه بالبلدى، وأى تطوير يحتاج خطة وميزانية وتكاليف ضخمة بالمليارات مرة أخرى فمن أين؟.. وحكاية تعزيز حضور ماسبيرو ودوره مسألة صعبة وتتطلب استعادة كافة الظروف التاريخية للستينيات فى مصر والعالم العربى، وهذا من المستحيل، وإذا كان الشاعر مرسى جميل عزيز قد أعلن عن فشله بصوت أم كلثوم لما قال: «وعايزنا نرجع زى زمان قول للزمان أرجع يازمان».. فإذا كان رجوع حبيب إلى حبيبه يحتاج رجوع الزمان كله، فماذا يحتاج رجوع ماسبيرو والستينيات؟
وأعتقد أن استعادة ماسبيرو وزمانه هى مجرد رغبة عاطفية، تكلفتها ستكون مرتفعة، وإذا أجرينا دراسات سوق دقيقة سيكون الكلام عن تطوير التليفزيون نوعًا من المسكنات الوقتية ولن تجدى نفعًا.. وإلا كانت نفعت مع كل «ماسبيرو» موجود فى كل الدول العربية، إلا إذا فعلنا ما تفعله الدول الأوروبية مع تليفزيوناتها التى تتكفل بنفقاتها من مرتبات وتكاليف الإنتاج من ميزانية الدولة مثلها مثل التعليم والبحث العلمى والصحة والخدمات الحكومية!
أما إذا أردنا ماسبيرو منافسًا للفضائيات الخاصة، المصرية والعربية، فهذا يحتاج إلى إجراء بحوث علمية ومسوح ميدانية حول اتجاهات الجمهور الحديث وتفضيلات المتلقى الرقمى، لاستغلال الإمكانيات الضخمة التى يمتلكها المبنى؛ بدءًا من استديوهاته التاريخية، وأرشيفه التراثى الذى لا يقدر بثمن، وكفاءاته وكوادره، وإيجاد حلول علمية فى أسباب أزمته الاقتصادية ومن أبرزها تراجع الحصة الإعلانية للتليفزيون، مع أن مصر تمتلك سوقًا إعلانيًا ضخمًا، لا يحصل ماسبيرو منها على شيء، وتستحوذ عليه الفضائيات العربية والخاصة، لأنها تعمل وفق آليات التسويق المبتكرة، بينما ظل ماسبيرو مكبلًا بالآليات التقليدية!
ولذلك يحتاج الإنقاذ وضع استراتيجية تسويقية جديدة تجذب الإعلانات عبر تقديم محتوى إعلامى جديد، يتناسب مع لغة العصر ويستطيع منافسة منصات البث الرقمى، مع إعادة استثمار العنصر البشرى من خلال إعادة التأهيل والتدريب، وإتاحة الفرصة للشباب والمبدعين بعيدًا عن التضخم الإدارى والتوظيف بالواسطة والمحسوبيات، وهى الضمانة الوحيدة لإعادة الضخ البرامجى والإنتاجى لمستوياته الذهبية.
ومع ذلك أرى أن ماسبيرو قيمته ليس فى المبنى، ولكن فى المعنى الذى يجب استعادته سواء فى هذا المكان أو غيره، فى شكل قناة فضائية وإذاعية تدار باحترافية عالية.. ولا نريد استعادة مبنى من خرسانة وحديد فهذا يمكن تحويل بعض أدواره إلى متحف لذاكرة الأمة، واستغلال أدواره الأخرى بشكل استثمارى ننفق منها على ماسبيرو الحديث والمتطور.. ولا أريد إحباط الزميل أحمد المسلمانى.. ففى آخر مرة زرت فيها منزلنا منذ سنوات رأيت تليفزيوننا الخشبى القديم مركون على بسطة السلم وفوقه كرتونة كراكيب!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض