السكاكيني.. مهاجر غيّرت حياته "القطط والفئران"
في حى الظاهر أحد أقدم أحياء القاهرة ووسط الزحام والمارة، تغازل بصرك تحفة معمارية نادرة من الطراز الإيطالي وفن الروكوكو الفريد، ذات قبه نحاسية تشبه رأس الاخطبوط التي قطعت أزرعه الشوارع والمباني الحديثة، وحين تقترب نحو أبوابه تشعر أنك على موعد لتصفح كتابًا من تاريخ مصر العامر.

قصر السكاكيني، زينة الحي العريق، تشعر أنه قد خرج توًا من رحم الأساطير، وبمجرد أن تطأ قدمك أبوابه يأخذك من الحاضر في رحلة عبر الزمن، تنازعك مشاعر مختلفة بين الإنبهار بهذه الدقة والأعمال الفنية والنقوش، والغموض الذي يخفيه جدار القصر، والتعجب من وجوده بين هذه الغابة الخرسانية، وهو ما يجعلك تتسأل كيف سقط من سماء زمن بعيد وظل شامخًا حتى الأن.
بينما تقترب راجلًا نحوه، تخاطبك الأساطير الخيالية التي نسجت حوله لسنوات طويلة كغيره من القصور، لطالما ظن سكان المنطقة أن ساعات الليل لا تمر على هذا القصر في سكون وسلام، فهناك من روى قصصًا حول إضاءة الأنوار ودوران القصر حول نفسه وحركة التماثيل، وهناك أسطورة استمرت لسنوات حول ظهور أحد الأشخاص في الشرفة وسماع أصوات غامضة، أما عن الأسطورة الأشهر "غرفة المتاهه" أو كما تعرف بـ"نهاية العالم" من تسلل إليها لم ينج منها أبدًا.
يعود القصر إلى مهاجر سوري يُدعى غابرييل حبيب السكاكيني، جاء إلى مصر مع أسرته عام 1856، بحثًا عن الأمل في حياة مستقره وعمل يحقق له ربحًا يمكنه من العيش، بدأ كعامل بسيط في شركة قناة السويس، لاعجب من غرابة هذا قصر بعدما تتصفح قصة صاحبه، الذي أصبح من بشوات مصر بفضل "القطط والفئران".

أراد القدر أن يُغير مسار هذا الشاب المهاجر، بعدما انتشرت الفئران في الشوارع وتفشى مرض الطاعون، الذي إلتهم الكثير وعاق العمال عن أداء وظيفتهم، فاقترح "حبيب السكاكيني" أن يحضر طرود من القطط الجائعة للتخلص من الفئران، ونجح في القضاء على هذه الأزمة وحين علم الخديوي إسماعيل أسند له العمل في الأوبرا الخديوية التي كانت تحت الإنشاء بشرط أن تنتهى عملية البناء سريعًا، فعرض الشاب السوري نظامًا جديدًا يعتمد على تناوب العاملين ليلًا نهارًا، واستطاع أن ينتهى من البناء في الوقت المحدد.
تحرك دولاب الحظ لصالح "غابرييل " فمنحه الخديوي لقب "باشا" وذاع صيته بين الأوساط وأصبح من كبار المقاولين حتى سافر إلى الأستانة فقام السلطان "عبد الحميد" بدعوته للاصطياف مع أسرته بقصر الدولما علي ضفاف "البوسفور"، ثم تولى بعد ذلك رئاسة "ورش تجفيف البرك"، وكانت أعماله الخدمية في المجتمع لا تتوقف خاصة لمساعدة الأقباط الكاثوليك في مصر وبنى ملجأ لآلاف الأيتام، وشيد مقابر خاصة للطائفة في مصر القديمة، وأهدى لهم قصر "لينو دي بيفور" الذي يقبع بمنطقة الفجالة لتأسس جمعية خدمية لهم، وحين سمع عن أعماله بابا الفاتيكان بروما منحة لقب "الكونت" وفي مارس 1901.

كان حبيب السكاكيني يجوب شوارع مصر فوجد "بركة قراجا التركماني"أو كما تعرف بـ" قمزيحي الظاهر"، التي تُنسب إلي الأمير زين الدين قراجا التركماني أحد أمراء مصر في العصر المملوكى، وما أن استقرت في حوزة السكاكيني باشا حتى شرع في ردمها وبنى قصره بيد معماريين إيطاليين على مدار خمس سنوات كان يمكث حينها "غابرييل باشا" في أحد المنازل المُطله عليه وظل يباشر أعمال البناء طوال هذه المدة.
حين تطأ حديقة القصر تبدأ جولتك في مزار تاريخي مليئ بالنقوش وبراعة الطراز الإيطالي الممزوج باليوناني والروماني معًا، وتحاوطك النجيلة والنباتات المميزة كـالنخيل الملوكي الذي لم يكن يزرع إلا بأمر ملكي، أما عن الأبواب الداخلية يقف أمامها أسد وديع الهيئة، وفي أعلى المدخل الرئيسي للقصر يوجد تمثال مُجسد لملامح حبيب السكاكينى ونقش حروف اسمه "HS" على الجدران.
شيد القصر عام 1897م، على مساحة 2698مترًا مربعًا، بإرتفاع 5 طوابق، يحتوى على 50 غرفة و400 نافذة وباب، و300 تمثال كان من أشهرهم تمثال على هيئة تمساح، وآخر يُدعى "الملاك" وتمثال "درة التاج" الأقرب إلى قلب السكاكيني، وتمثال "مرمر" الذي يتغير لونه عند تعرضه للشمس، ويحيط بأركان القصر أبراج في نهايتهم قبب صغيرة، أما عن قبه القصر الرئيسية تعرف بـ"غرفة الإعاشة الصيفية" بسبب وجود سهم لتحديد اتجاه الرياح وتنظم تيار الهواء في فصل الصيف وتحديد حركة الشمس التي لاتغيب عن القصر.

يُخاطبك التاريخ حين تغوص في عالم السكاكيني، عند الدخول إلى القصر هناك ثلاثة أبواب، الباب الأول الرئيسي المخصص للزوار ويفتح على بهو كبير مساحته 600 متر مربع، تحاوطه أبواب من 6 اتجاهات، والباب الثاني لأصحاب القصر والأقارب يُفتح على أول مصعد كهربائي عرفته تلك المنطقه وكان يستمد الطاقة من المحطة الرئيسية بالسبتية، أما الباب الثالث المؤدي إلى "بدروم القصر" ينخفض 6 درجات عن الأرض.

لا تنتهى حكايات القصر بين جيرانه الذين عاشوا وسط أساطير السكاكيني وأحفاده، ويتمكن الخيال أن ينسج صورة الحياة النابضة داخل هذه التحفة المعمارية بمجرد السماع لروايات كبار منطقة الظاهر، ويمكن أن ترى في ذهنك هيئة المهاجر السوري بمظهر الباشوات أو الجلباب الإنجليزي الذي اشتهر به في المنطقة، كما يتمكن الكثير أن يتصور كيف كان نظام العمل بالقصر، ومن أشهر العادات التي خرجت عنه تخصيص يوم الثلاثاء اسبوعيًا لـ" كي الملابس"، رحل حبيب السكاكيني عام 1923م، ولم ترحل سيرته وحفر اسمه تاريخ لم تطوه الكتب أو المجلدات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض