رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

شيء دفع نور الشريف للندم

بوابة الوفد الإلكترونية

 عرفت نور الشريف لسنوات، وأجريت معه حوارات عدة، ولذلك لم تكن صورته عندي هي تلك التي يعرفها الجمهور من الشاشة فقط.
 كنت أراه في لحظات بعيدة عن الأضواء، وأستمع إليه وهو يتحدث عن الفن والحياة والناس، وكنت دائما أشعر أن وراء ابتسامته شيئا آخر؛ حزنا هادئا لا يفرض نفسه، لكنه يترك ظله على ملامحه.
كان نور يملك قدرة غريبة على أن يبدو خفيفا حتى وهو يتحدث عن الأشياء الثقيلة؛ يضحك ويمزح ويتحمس، ثم تلمح فجأة في عينيه ما يجعلك تشعر أن هذا الرجل يحمل في داخله أكثر مما يقول.
 ومع الوقت، أدركت أن حساسيته لم تكن مجرد صفة في شخصيته، وإنما كانت جزءًا من تكوينه الإنساني، وربما كانت أحد أسرار ذلك الصدق الذي ظهر في كثير من أدواره. كان شديد الانتباه إلى مشاعر الآخرين، يتعامل مع الإنسان باعتباره حكاية كاملة لا يمكن اختزالها في موقف واحد.
 وربما لهذا السبب تحديدا بقيت إحدى حكاياته الشخصية عالقة في ذاكرتي؛ حكاية لم تكن عن الفن ولا عن الشهرة، وإنما عن امرأة كان لها مكان خاص في قلبه، حتى عندما امتلأ هذا القلب بالغضب منها.
 في إحدى جلساتنا، أخذنا الحديث إلى طفولته. حكى عن والده الذي رحل وهو لا يزال صغيرا، وعن أمه التي تزوجت بعد وفاته، وعن السنوات التي عاش فيها بعيدا عنها، في رعاية عمه.


 كان يحكي، وأنا أستمع، وأشعر أن الطفل القديم ما زال حاضرًا في صوته. فالطفل لا يعرف تعقيدات الحياة، ولا يفهم لماذا تتغير البيوت، ولماذا يذهب شخص كان يظنه جزءا ثابتا من عالمه. كل ما يعرفه هو من بقي إلى جواره ومن غاب عنه، ولذلك لم يستطع نور في طفولته أن يرى الصورة كاملة؛ كان يرى أمه بعيدة، وكان يحتاج إليها، فترسخ داخله شعور بأنها تركته.
كانت تأتي في الأعياد والمناسبات، ثم تعود إلى حياتها، بينما يبقى هو مع إحساس لا يعرف كيف يسميه. ومع مرور الوقت، تحول هذا الإحساس إلى عتاب، ثم إلى غضب، حتى أصبحت المسافة بينه وبين أمه أكبر مما ينبغي.
لم يكن يعرف وقتها أن الإنسان قد يخطئ في تفسير أكثر الأشياء التي تؤلمه، وأن ما يراه الطفل تخليا قد يكون وراءه عالم كامل من الظروف لا يستطيع أن يراه أو يفهمه.
لكن نور الشريف لم يبق ذلك الطفل.. كبر، ودخل إلى عالم الفن، واتسعت قراءاته، ودرس علم النفس، وبدأ يقترب أكثر من ذلك العالم المعقد الذي يحرك الإنسان من الداخل.
عرف أن السلوك الظاهر لا يكشف دائما الحقيقة، وأن وراء كل قرار دوافع وظروفا ومخاوف وحاجات لا يعرفها الآخرون. وربما كان هذا الفهم هو الذي أعاده، بعد سنوات، إلى حكايته القديمة مع أمه، وجعله يعيد النظر في موقف عاش معه طويلًا.
بدأ يسأل نفسه عن أمه، لا عن نفسه فقط: ماذا كانت تواجه؟ كيف كانت ترى حياتها؟ وما الذي دفعها إلى الزواج بعد وفاة زوجها؟ وللمرة الأولى حاول أن يضع نفسه مكانها، لا أن يراها من مكان الطفل الذي شعر أنها ابتعدت عنه.
 كانت امرأة فقدت زوجها وهي صغيرة، ووجدت نفسها أمام حياة جديدة، في زمن وظروف لم يكن الطفل يعرف عنها شيئا، وكلما نظر إلى الحكاية من جهتها، بدأت الصورة القديمة تتغير شيئا فشيئا.
 لم تعد أمه في عينيه المرأة التي تخلت عنه، وإنما أصبحت امرأة لم يفهمها في الوقت المناسب، وكان هذا الاكتشاف مؤلما، لأن الإنسان يستطيع أن يحتمل أخطاء الآخرين أكثر مما يحتمل اكتشاف أنه ظلم شخصا يحبه.
 أدرك نور أن الطفل الذي كانه لم يكن يملك الحقيقة كاملة، وأن غضبه القديم كان يحمل الكثير من الألم، لكنه لم يكن بالضرورة عادلا.. وهنا بدأ الندم يأخذ مكانه في قلبه.
لكن ما يميز نور الشريف أن ندمه لم يبق مجرد إحساس داخلي. لم يكتف بأن يعرف أنه أخطأ، ولم يترك الماضي حجة يختبئ خلفها، وإنما عاد إلى أمه، واقترب منها، وسعى إلى استعادة ودها ورضاها، وحاول أن يعوضها عما استطاع من سنوات الجفاء.
 لم يكن يريد أن يعيد فتح الماضي ليعرف من كان على حق، وإنما كان يريد أن يصل إلى أمه قبل أن يصبح الوقت نفسه خصما لا يمكن مصالحة.
 كان يستطيع أن يقول إنه كان طفلا، وإنه لم يكن مسؤولا عن مشاعره في ذلك الوقت، وكان يستطيع أن يحمل أمه وحدها مسؤولية ما جرى، لكنه اختار أن يتحمل نصيبه من الحكاية.
اختار أن يراجع نفسه وأن يطلب السماح، وهذه ليست شجاعة قليلة، خصوصا على رجل عرف طريق الشهرة وصنع لنفسه مكانة كبيرة. لكنه كان يرى أن الاعتذار لا يقلل من الإنسان، وأن الاعتراف بالخطأ لا يهدم كرامته، بل يكشف معدنه الحقيقي.
 ولهذا ظلت هذه الحكاية في ذاكرتي كل هذه السنوات، كلما تذكرت ابتسامة نور الشريف، تذكرت أن بعض الابتسامات لا تعني أن أصحابها عاشوا حياة سهلة، وأن الإنسان قد يتعلم كيف يحمل أوجاعه في هدوء حتى لا يجعلها عبئا على الآخرين.