د.محسن فرجاني: قوة الصين الثقافية والحضارية تتجاوز نفوذها السياسي والاقتصادي
أكد الدكتور محسن فرجاني، أستاذ اللغة الصينية المساعد بكلية الألسن بجامعة عين شمس، أن القوة الحقيقية للصين لا تكمن فقط في صعودها السياسي والاقتصادي، وإنما في بعدها الثقافي والحضاري الممتد، مشيرًا إلى أن تأثيرها بوصفها «أمة ثقافية» يتجاوز حدود قوتها السياسية والاقتصادية، ويمتد إلى محيطها الإقليمي والعالم.
وقال فرجاني في تصريح خاص للوفد إن الصين حققت نجاحًا كبيرًا وفق المعايير الغربية في المجالين السياسي والاقتصادي، من خلال الاستفادة من منجزات الثورة الصناعية، والتعامل مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ذي المرجعية الغربية، فضلًا عن تبني الفلسفة الماركسية ذات الأصول الألمانية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص، أصبح قادرًا على فهم جوهر الأمة الصينية وتركيبتها الثقافية والفكرية.
وأضاف أن المجتمع الصيني لا يزال يستند بدرجة كبيرة إلى تراثه ومواريثه الفكرية والثقافية، وهي جوانب تحتاج إلى مزيد من الدراسة والترجمة والتعريف بها عربيًا، لفهم الصين بعيدًا عن صورتها الاقتصادية والسياسية الراهنة.
وأوضح فرجاني أن الحضارة الصينية تتميز باستمرارية حضارية نادرة، إذ حافظت على قدر كبير من امتداد جذورها القديمة ولغتها وثقافتها عبر العصور، مقارنة بحضارات كبرى شهدت تحولات وانقطاعات تاريخية ولغوية ودينية مختلفة.
وأشار إلى أن التبادل الثقافي بين مصر والصين سبق العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، لافتًا إلى إنشاء المكتب الثقافي المصري في بكين عام 1955، قبل الاعتراف الرسمي بالصين الشعبية عام 1956، وهو ما يعكس عمق التواصل الثقافي بين البلدين.
ولفت فرجاني إلى وجود «فجوة معرفية» في حركة ترجمة الفكر والتراث الصيني إلى العربية، موضحًا أن الجانب الأكبر من الترجمات المتاحة يركز على الأدب الصيني المعاصر، خصوصًا الإنتاج الذي ظهر بعد مرحلة «الإصلاح والانفتاح»، بينما لا يزال التراث الفلسفي والأدبي القديم أقل حضورًا في المكتبة العربية، رغم تأثيره التاريخي الكبير في عدد من دول شرق آسيا، ومنها اليابان وكوريا وفيتنام وسنغافورة.
وأكد أن فهم الصين لا يمكن أن يكتمل من خلال متابعة صعودها الاقتصادي والسياسي فقط، وإنما يحتاج إلى الاقتراب من منابعها الثقافية والفكرية، مشيرًا إلى أن التأثير الحضاري الصيني امتد تاريخيًا عبر طريق الحرير، الذي لم يكن مجرد طريق للتجارة، بل كان قناة لانتقال المعارف والثقافات، ومن بينها صناعة الورق إلى منطقة الشرق الأوسط.
وتطرق فرجاني إلى بعض الدراسات التي تتناول التداخلات الثقافية بين الحضارات، مشيرًا إلى أن أعمالًا عالمية مثل «ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة» ارتبطت في بعض الدراسات بجذور حكائية وفكرية هندية وصينية، قبل أن تكتسب عبر انتقالها وتطورها التاريخي صياغتها وخصوصيتها العربية.
واختتم فرجاني بالإشارة إلى مشروعه في ترجمة أمهات الكتب ومصادر التراث الصيني القديم إلى العربية، موضحًا أن المشروع شمل عددًا من الكتب الطاوية الرئيسية، وكتاب الشعر، والمسرح القديم، والأمثال الشعبية، بهدف إتاحة المصادر الثقافية والفكرية التي تمثل أحد المنابع الأساسية لفهم الصين المعاصرة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تختزلها في قوتها الاقتصادية والسياسية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض