لا أنكر أنني معتلُّ المزاج رغم اتصافي عند الكثيرين من خلطائي بالقدرة على تجاوز ما ينزل بي من هموم؛ لكن لم يعد هناك طاقةٌ على إغماض العين ؛ فمنذ طوفان الأقصى الذي رأته المقاومة الفلسطينية ممثلة في"حماس والمقاومة الرابضة في "غزة" رأته بدْء حرب التحرير ،إلا وتبرز بصورة فاضحة - دونما حساب للأعراف أو معارضة- الوحشية الصهيونية منطلقة في التعامل مع كل أشكال الحياة قتلا واستئصالا، وكأنها خطط معدَّةٌ مسبقا تنتظر سببا مباشرا لخروجها إلى أرض الواقع، والآن وفي تلك اللحظة كل من نجا من قذائف العدو من أبناء غزة يعانون الأمرَّيْن في سبيل الإبقاء على رمق الحياة الخافت في أجساد واهنة، إذ ينكِّل بها الحصار المهلك المانع وصولَ الأقوات لمن لا حول لهم ولا قوة!!!
وما الذي يدعو للتظاهر بالتفاؤل وقد استدارت آلة الوحشية لتذيق الضفة الغربية ما أحدثته في قطاع غزة من قتل وتنكيل بواسطة قوات المحتل ينافسها جحافل المستوطنين المتطرفين دون وازع أو رادع ...كيف لقطعان هذي الوحوش الآدمية أن تخرج من كهوف الانحطاط بصورة غير مسبوقة في أي وطن عانى الاحتلال؟! ليبدأ طرق الأسئلة فلا تدع سبيلاً لغمضة عين...هل ضاعت فلسطين إلى الأبد؟!!إن المتابع ما يصدر عن وكالات الأنباء العالمية يتضح له أن أخبار القضية الفلسطينية قد تراجع ترتيبها لتكون في ذيل الأنباء ولولا استنكار بعض السياسيين أو رجال الفن العالميين لما يلقاه قطاع"غزة" من وسائل التهجير القسري بتقليص دخول المعونات أو تعطيل خطط إعادة إعماره وما تعانيه مدن الضفة الغربية من همجية المستوطنين...أقول لولاا استنكار هؤلاء الآحاد المنصفين لما جاء ذكْر القضية الفلسطينية في أية وسيلة إعلامية عالمية، ونظرة بريئة إلى الإعلام العربي لنرى هل تخطت أولوياته حفلات الفن والحياة العائلية لأهل الفن، وكذلك مباريات اللعبة الشعبية الأولى وأخبار انتقال نجومها، وهناك في هذه البقعة المنكوبة من لا يجد لقمة عيش جافة أو قطرة ماء نظيفة أو شيئا يصد عنه لفح الشمس...لقد علقت خطانا في المستنقع!!
1 ماء الحرج:
( لأنّي أعيشُ الخريفَ الأخيرَ لجاري/ وأَبْني لَهُ طاقةً للفَرَجْ/ أرى غَيْبَةً للحمامْ!!!/كذلك وجهًا غريبًا مِنَ الحَدْسِ..يَدْلُقُ رؤيا البناتِ اللواتي خَدَشنَ الزّحامْ/ وأَخَّرْنَ عُرس الكلامْ / لأرْفَعَ بِنْيةَ هذا الدَّرَجْ/ لأنّي أعيشُ المَزَاجَ الجديدَ لِطِفْلَيهِ..أغدو وَصِيًّا على ثورتي في المساءِ../وأعفي انْدِلاقي على بابهِ/ثُمَّ أمشي بطيئًا..وأملأُ كأسي بماءِ الحَرَجْ!!)
وتأتي ثلاثية الشاعر العربي"أحمد الخطيب"«أمشي بطيئًا وأملأُ كأسي» لا بوصفها افتتاحية تسجيلية ليوم فلسطيني،بل بوصفها مدخلًا شعريًا ليومٍ فلسطيني من الداخل،لتدهشنا الدفقة الأولى أنها لا تصرخ باسم «فلسطين» ليظهر انتماؤها؛ بل إن قوتها تكمن في حضور"فلسطين"في منمنمات تفاصيل الغياب والانتظار: إنه تخرج بنا من شعار الوطن إلى الجوار ليتوالى السياق الفاقد الأمل في امتداد العمر الفاقد الألفةَ، البيتَ، العودةَ، السكينة!! إن إبداع"الخطيب" في التقاط شظايا يومه الحميمة حيث لا تجسيد ليوم فلسطيني كامل بل ما التقطه حدْسه من إشارات صغيرة وكيف يتجاهلها؟!وهو لمَّا يزل ربيب المخيمات وعاشق تفاصيلها الحياتية وما لنسائها وبناتها من أماني مؤجلةٍ وأحاديثَ غير مكتملةٍ...
أثناء الشهر الأول من طوفان الأقصى ضمتْني جلسةٌ خاصة بأحد كبار قادة القوات المسلحة،ومن الطبيعي جداً أن يجرنا سياق الحديث إلى ما يجري فلم أجد سوى التحفظ للثمن الباهظ الذي سيلحق بالمدنيين؛فالعدو جهَّز المسرح العالمي للتعامل مع قضية اختطاف وليس أسْراً لعسكريين في ثياب مدنية،وما سكان مستوطنات ظهير "غزة" سوى ذلك ، واستعرض خسائر العدو موضحاً أنها كلها مادية وكلفتها على حساب أمريكا بصناديق العرب المالية أو أوروبا بتأييدها اللامحدود للعدو حتى أسراهم هم لايريدونهم أحياء..وختم قائلا إن قتال المحتل لابد أن يعي حاملُ السلاح ما حدود انتقام العدو وما المتاح من مناورات كي لا يجد حاملُ السلاح نفسَه يقاتل قتاله الأخير!!
2-أرصفة الأمل
(قلتُ سأقرعُ التَّمْكينَ في لغةِ الورودِ لكي أعيشَ مُتَيَّمَا/ لكأنَّمَا..هيَ حصَّةٌ للحبِّ تَقْنَعُ بالبياضِ أواخِرَ الفَصْلِ الذي عَدَّلْتُهُ/ مِنْ بعدِ تَهْيِئةِ الفُصولِ جميعِها/ لتكونَ أوْعى مِنْ تَلَطُّفِ عَنْزَتَينِ على جَبَلْ!/ لكَأنَّمَا..هيَ حجَّةُ الإرثِ التي سَقطتْ مِنَ الأبناءِ.../ بعدَ رحيلِ والدهمْ وكانوا يُنْشِئُون لِمَقْدَمِ الأحفادِ أحياءً مُوَشّاةً بحبر النومِ...يضطجعونَ أرصفةَ الأملْ!/ لكَأنَّمَا... انْحَرَفوا إلى سِكَكٍ مُغطّاةٍ بماءِ الخلوةِ الكبرى...ومَرّوا بالحِيَلْ!)
وتأتي الدفقة الثانية كاشفةً الأعمق فالكأس الممتلئة بطيئا بماء الحرج تعيد استحلابه في هيئة حب وإرث وسِكَك، ليأتي التكرار ثلاث مرات للفظة "لكأنما" يفتح فرضية جديدة في كل مرة .. إنه التكرار المنتج ومحاولة الاقتراب من المعني مستخدما لغة الاحتمال ويتحول التلطُّف بين العنزتين على الجبل لصورة تجمع ما بين الرهافة والصعوبة أكان يريد شاعرنا أن يقول إن مساحة المناورة التي يجيد المقاتل التلفُّع بها فيعرف متى يناور بقبول مبادرةٍ إلى حينٍ من أجل تحقيق أهداف مرحلية لا تتناقض والهدف النهائي من تحرير الأرض واستعادة الحقوق فمصر قبلت "مبادرة روجرز" ليس حباً في عيون مقدِّميها بقدر استكمال حائط الصواريخ الذي قطع يد إسرائيل الطولى ممثلاً في سلاحها الجوي، وليصير حائط الصواريخ الذي به تساقَطَ سلاح العدو الجوي تساقط الفراش..ويأتي ختام الثلاثية رائعاً في إعادة تفسير مقطعيه السابقيْن ...إن الذكاء في استعادة الذاكرة بتركيبه الموجع "قد كان لي" هل أراد أن يقول قد كان لي وطن ؟!!! لقد ترك كل ذلك معلقاً ربما أراد وما علينا سوى أن يكشف لَوْحه المحفوظ مراده ..أَجَلْ.. لقد كانت تطوافا حميما بثلاثية رائعة فإلى الختام:
3- قد كان لي
(قد كانَ لي..وأنا أخبِّئُ حاجَتي: بيتٌ،وسيدةٌ،ومَنفى/ وعلى سِياجِ البيتِ ثَمَّةَ عنكبوتْ/وأنا أُخَبئُ حاجَتي...!!/ قد كان لي دَرْسٌ عَنِ الولدِ الذي يجتاحُ أسئلةَ البيوتْ/ وطنٌ يعيشُ بداخلي / لكنْ على بابِ القصيدةِ ...قلتُ أصطادُ الحكايةَ مِنْ جدائلها/ لِترْحَلَ باتّجاه النصِّ أبراج القنوتْ/ قد كان لي...لكنْ أرى في لوحه المحفوظ معنى أن يموتَ...ولا يموتْ!!)
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض