التصالح في قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. طريق لإنهاء الدعوى وسداد الغرامة وفق ضوابط محددة
في خطوة تستهدف تنظيم آليات إنهاء بعض المنازعات الجنائية وتخفيف الأعباء عن أطرافها، وضع قانون الإجراءات الجنائية الجديد إطارًا واضحًا للتصالح في عدد من المخالفات والجنح، محددًا الحالات التي يجوز فيها للمتهم إنهاء الدعوى الجنائية مقابل سداد مبالغ مالية وفق ضوابط ومواعيد حددها القانون.
ولا يفتح القانون باب التصالح بصورة مطلقة أمام جميع الجرائم، وإنما قصره على المخالفات والجنح التي لا يعاقب عليها وجوبًا بغير الغرامة، أو تلك التي يكون الحبس فيها جوازيًا ولا يتجاوز حده الأقصى ستة أشهر، ويأتي ذلك في إطار تحقيق قدر من التوازن بين حق الدولة في تطبيق القانون، وإتاحة فرصة قانونية للمتهم لإنهاء الدعوى الجنائية من خلال التصالح وفق الشروط المقررة.
وتتعدد مراحل التصالح بحسب توقيت إبداء الرغبة فيه، إذ تختلف القيمة المالية المطلوب سدادها قبل رفع الدعوى الجنائية عن تلك المستحقة بعد إحالتها إلى المحكمة، بينما يترتب على إتمام التصالح وانقضاء الدعوى الجنائية أثر قانوني مباشر على الواقعة محل التصالح.
عرض التصالح على المتهم
ونص القانون على أن يتولى محرر المحضر أو النيابة العامة، بحسب الأحوال، عرض التصالح على المتهم أو وكيله، مع إثبات ذلك في المحضر، بما يضمن توثيق عرض هذا الخيار القانوني وإتاحة الفرصة للمتهم لاتخاذ قراره في ضوء الإجراءات المحددة، ويكون التصالح قبل رفع الدعوى الجنائية من خلال دفع مبلغ يعادل ثلث الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة، على أن يتم السداد إلى خزانة المحكمة أو النيابة العامة أو إلى من يرخص له وزير العدل في تحصيله.
وبمجرد سداد المبلغ المقرر للتصالح، تنقضي الدعوى الجنائية عن الواقعة محل التصالح، إلا أن هذا الانقضاء لا يمتد إلى الدعوى المدنية، بما يعني بقاء الحقوق المدنية الناشئة عن الواقعة وفقًا للقواعد المنظمة لها.
التصالح يظل متاحًا بعد رفع الدعوى
ولم يغلق القانون باب التصالح بمجرد رفع الدعوى الجنائية أمام المحكمة المختصة، إذ أجاز للمتهم الاستفادة من التصالح حتى بعد بدء المحاكمة، شريطة سداد مبلغ يعادل ثلثي الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو قيمة الحد الأدنى المقرر لها، أيهما أكثر.
واشترط القانون إتمام هذا السداد قبل صدور حكم في الموضوع، بما يمنح المتهم فرصة إضافية لإنهاء الدعوى الجنائية بالتصالح خلال مرحلة المحاكمة، وفق الحدود والإجراءات التي رسمها القانون، ويترتب على سداد مبلغ التصالح انقضاء الدعوى الجنائية، دون أن يؤثر ذلك على الدعوى المدنية، بما يحافظ على حق المضرور في المطالبة بحقوقه المدنية وفقًا للقانون.
تسوية خاصة في جرائم محددة
كما وضع القانون نظامًا خاصًا للتصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، بحيث لا يتم التصالح فيها بمجرد سداد مبلغ مالي، وإنما من خلال تسوية تخضع لإجراءات وضوابط محددة.
وتتم التسوية بمعرفة لجنة من الخبراء يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء، ويحرر محضر بها يوقع عليه أطرافها، ثم يعرض على مجلس الوزراء لاعتماده، ولا يصبح التصالح نافذًا في هذه الحالة إلا بعد اعتماد مجلس الوزراء، ويُعد هذا الاعتماد توثيقًا للتصالح ويتم دون رسوم، كما يمنح محضر التصالح قوة السند التنفيذي.
وبعد اعتماد التصالح، يتولى مجلس الوزراء إخطار النائب العام، سواء كانت الدعوى لا تزال قيد التحقيق أو أصبحت أمام المحكمة.
ويترتب على إتمام التصالح وانعقاده وفق الإجراءات القانونية انقضاء الدعوى الجنائية عن الواقعة محل التصالح بجميع أوصافها، بما يعني أن أثر التصالح يمتد إلى الواقعة محل التسوية بصورها وأوصافها القانونية.
وحدد القانون كذلك أثر التصالح على العقوبات التي صدرت في الواقعة، بحسب المرحلة التي تم فيها إتمام التصالح.
فإذا تم التصالح قبل أن يصبح الحكم باتًا، تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين في الواقعة، باعتبار أن التصالح تم قبل اكتساب الحكم الدرجة النهائية، أما إذا تم التصالح بعد صيرورة الحكم باتًا، وكان المحكوم عليه محبوسًا تنفيذًا لهذا الحكم، فقد أجاز القانون له أو لوكيله الخاص التقدم إلى النائب العام بطلب لوقف التنفيذ، على أن يكون الطلب مشفوعًا بالمستندات المؤيدة لإتمام التصالح.
دور النائب العام ومحكمة النقض
وبعد تقديم الطلب، يتولى النائب العام رفعه إلى محكمة النقض، مرفقًا به المستندات المؤيدة للتصالح ومذكرة برأي النيابة العامة، وذلك خلال عشرة أيام من تاريخ تقديم الطلب.
ويعرض الطلب على إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض، منعقدة في غرفة المشورة، للنظر فيه واتخاذ القرار المناسب بشأنه، وفي حال تحققت المحكمة من إتمام التصالح واستيفائه جميع الشروط والإجراءات المنصوص عليها قانونًا، يكون لها أن تأمر، بقرار مسبب، بوقف تنفيذ العقوبات نهائيًا.
وحدد القانون مدة زمنية للفصل في الطلب، بحيث يتم البت فيه خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ عرضه، وذلك بعد سماع أقوال النيابة العامة والمحكوم عليه.
ويكشف تنظيم التصالح في قانون الإجراءات الجنائية الجديد عن مسار قانوني متدرج، يربط إنهاء الدعوى الجنائية بالتوقيت الذي يتم فيه التصالح وقيمة المبلغ المستحق والإجراءات الواجب اتباعها، فالتصالح قبل رفع الدعوى له مقابل مالي محدد، بينما ترتفع قيمة المبلغ المطلوب بعد إحالة القضية إلى المحكمة، في حين تخضع بعض الجرائم لنظام أكثر تعقيدًا يقوم على التسوية واعتماد مجلس الوزراء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
