في ذكراه العشرين.. نجيب محفوظ... العبقري الذي حافظ على "لغة الشارع المصري"
ما بين وصف البعض للغة الحوار عند محفوظ بأنها "لغة ثالثة" مبتكرة، تحفظ للفصحى وجودها وللعامية روحها، وبين هجوم آخرين واعتراضهم على ذاك الوصف، حفلت الحارة المحفوظية ببلاغة شفاهية أصيلة ودافئة، وثّق من خلالها صاحب نوبل النبض النفسي والاجتماعي للشارع المصري، إلا أننا وبعد مرور عقود على تلك "اللغة المحفوظية"، نلحظ أنه قد توارت تلك التعبيرات التي صِيغت على مهل في الأزقة لصالح مفردات خاطفة كـ «المود»، و«التراك»، و«السكيب»، ربما نضبط تلك الأخيرة وهي تتسلل إلى أدبنا "الحديث"، دون رادع أو وازع من غيرة على اللغة، فإلى أي مدى استطاع محفوظ أن يحفظ التاريخ الاجتماعي للمصريين عبر لغتهم المحملة ببصماتهم، وهل تستطيع اللغة الحالية فعل الأمر ذاته، أم أن هناك فارقًا لصالح طرف بعينه؟ وهل يمكننا الجزم بأن الأجيال الحالية إن أرادت استعادة جزء من أصالة اللغة اليومية ورقيها، فعليها قراءة أدب محفوظ والتأسي بلغته؟
في التقرير التالي، وبعد مرور عشرين عاما على وفاة محفوظ، حيث تحل ذكراه في الثلاثين من أغسطس، نحاول رصد بعض تلك المفردات والصيغ، التي امتاز بها أدب محفوظ، وما تعرضت له من تطور "إن جاز لنا التعبير"، وذكر مقابلها الحالي...

*مفردات دالة على الهيبة والوجاهة
لم تكن كلمة «على سنجة عشرة» في ثلاثية محفوظ مجرد وصف للأناقة، بل كانت علامة على الاهتمام الفائق بالمظهر، بينما يختصرها شباب اليوم في «شياكة» أو «متظبط»، وفي نفس البيئة، كان وصف «ابن ناس» في" القاهرة الجديدة" يعني الانتماء لأخلاق الطبقة الوسطى والتربية الرفيعة، ليحل محله اليوم تعبير «ابن أصول» أو «كلاس»، بينما الشاب الخفيف الذي يبحث عن اللهو والهندام المتكلف، فكان يُنعت بـ «الألاجة» أو «الأعوج» في جلسات أحمد عبد الجواد، وهو ما يُعبر عنه الآن بـ «السيس» أو «الشرس»، وفي عالم النساء، لم تكن «الملاية اللف» مجرد زي، إنما كانت رمزًا لـ «بنت البلد» القوية والمهابة، وهو المعنى الذي اندثرت أدواته البصرية لصالح تعبيرات مثل «البنت الثقيلة» أو «المسترجلة».


*مفردات الفتونة والسيطرة
في عالم الفتونة في " الحرافيش" و"أولاد حارتنا"، كان «النبّوت» رمزًا للقوة والتأثير، والمال الذي تتم جبايته بالقوة يسمى «الخُوّة»؛ وهي التعبيرات التي أزاحتها لغة الشارع المعاصرة لصالح «الإتاوة»، و«الكارتة»، و«الباور».
أما الحرفة أو التخصص المهني والاجتماعي في "خان الخليلي" فكان يُعرف بـ «الكار»، لينتقل اليوم إلى «المجال» أو «الفيلد». وحين كان أحدهم يهرب من بطش الفتوة أو من أزمة طاحنة في "زقاق المدق"، كان يُقال عنه «نفد بجلده»، وهو ما يُترجم في قاموس الشباب الحالي بـ «خلع في السليم» أو «زحلق نفسه».


* صراعات الحارة الصامتة
في رواية "بداية ونهاية"، جسّد محفوظ السيطرة النفسية والتركيع عبر تعبير «كسر العين»، وهو ما يُترجم اليوم ببراجماتية حادة إلى «ماسك عليه مسكة» أو «بيذله»، أما المحسوبية والتودد غير الشريف للوصول إلى الهدف فكانت في "القاهرة الجديدة" تدعى «تظبيط المسائل»، لتتحول في لغة اليوم إلى «مروّق الدنيا»، «حوارات»، أو «كوسة»، وحتى الفوضى المفتعلة لاستغلال الموقف التي خلدها في "زقاق المدق" باسم «زيطة»، أصبحت تُعرف الآن بـ «ركوب الموجة» أو «الهجايص».
كذلك، كان وصف الشخص الطماع بـ «عينيه فارغة» يعكس خروجه عن قناعة الحارة، ليحل محله تعبير «مش سالك» أو «عينه صفرا»، والتعبير المحفوظي الشهير «يمشي تحت الحيط» لوصف شخص يتجنب المشاكل، أصبح في لغة الشارع الرقمي «مريح نفسه» أو «مكبر الدماغ».

* بلاغة الصراحة والتذمر
الصراحة المطلقة والمواجهة دون تجميل في "خان الخليلي" كانت تُقال «على بلاطة»، وجاء بديلها المعاصر «جابه من الآخر» أو «عالدغري»، وعوضًا عن تعبير «مقطوع من شجرة» في "الحرافيش" لوصف من لا سند له، بات الشارع يستخدم «مالوش ضهر» أو «عاري»، كما تراجعت الحسرة الشفاهية «يا دي الشِيلة» في "بداية ونهاية" لوصف الحمل المفاجئ لصالح «شيل الليلة» أو «التوريطة».
وعند وقوع مفاجأة مذهلة أو مصيبة غير متوقعة، كانت شخصيات محفوظ تهتف «يا خفي الألطاف!»، بينما يكتفي الجيل الحالي بـ «يا ساتر!»، «إيه الضحك ده؟»، أو الجمل الاعتراضية الشهيرة، وفي الصباح، حين يلتقي أحدهم بشخص غير مرغوب فيه، كانت عبارة «يا فتاح يا عليم» تُقال بنبرة تبرم في الثلاثية، ليحل محلها اليوم «استفتحنا!» أو «يا صباح».

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض